Monday, December 16, 2013

حكم الترحّم على غير المسلم


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فلما رأيت إخواني الأجلاء وأحبائي الفضلاء قد اختلفت كلماتهم، ورمى بعضهم بعضا  بسهام، ونال بعض منهم آخرين برصاصات الإتهامات، فريق بالتساهل وآخر بالتشدد، وذلك بسبب قضية الترحم على أموات غير المسلمين، أحببت أن أدلي بدلوي بما رأيته من رأي في هذه المسألة. ولا أخفيكم سرا أني ترددت كثيرا في كتابة هذه الورقة، وكان بودي أن أعثر على بحوث غيري فيها حتى أنأى بنفسي عن المعارك الكلامية، والمناوشات الجدلية، وحتى أسلم من اتهامات من لا يسفعه نفسه سماع مثل هذه الآراء بالتمييع ولي النصوص والخروج على الثوابت والقطعيات، مما حدا بي  للّلجوء إلى عالم غوغل وغيره لأعثر على بحث يتناول القضية بالجدية اللائقة بها، ولكني لم أعثر على ما يشفي العليل ويروي الغليل، وحتى العلامة القرضاوي والذي سبق له أن ترحم على البابا بوليس الثاني على شاشة قناة الجزيرة لم أعثر منه على مقالة أو رسالة أو دراسة تبين وجهة نظره واستدلالاته ومآخذه مع أن الدنيا قامت حينها وقعدت جراء تلك الأدعية والترحمات التي منحها للبابا. فلما رأيت هذه المساحة الفارغة عزمت أمري وعقدت حزمي على المضي قدما في كتابة هذه الورقات، على أمل الغوص في المسألة بشكل أعمق في المستقبل  إن شاء الله.
وقد أثار اهتمامي بهذه القضية ما لاحظته في مناسبات عدة يموت فيها رجل غير مسلم، ويكون مشهورا بإنجازاته الضخام للبشرية في مجال من المجالات كما حدث ذلك في مناسبة وفاة المخترع الأمريكي ستيف جوبز، أو يشتهر بمواقفه الإنسانية وتضحياته الأخلاقية وبطولاته التاريخية كما هو الشأن في الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا الذي توفي قبل أيام، فأرى الناس تشغلهم هذه المسألة، وتتصاعد وتيرة الإختلاف بل يصل الأمر إلى درجة إطلاق الإتهامات على من يترحم على مثل هؤلاء باختراق عقيدة الولاء والبراء وموالاة أعداء الله.
بل إن الأمر لا يتوقف على هؤلاء المشاهير فقط، فقد يحدث أن تموت لرجل مسلم زوجته الكتابية، أو يكون لبعض الذين اعتنقوا الإسلام سواء في الغرب أو في الشرق، في أفريقيا وأوربا وغيرها أقرباء مسلمون وإخوان وأخوات وأصدقاء بل وآباء وأمهات يموت واحد من هؤلاء من الذين لا يعادون اسلامه وكانوا معروفين بالبر به والعلاقة الجيدة معه، فيتردد في الترحم عليهم والدعاء لهم وزيارة قبرهم، فإذا دعا لأحدهم تماطرت عليه الإنتقادات ورأى نفسه محصورا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي يستدلون بها على تحريم الترحم على أموات غير المسلمين. ولا زلت أتذكر جيدا أيام صغري عندما يموت لبعض أصدقائنا أو جيراننا غير المسلمين أقرباء لهم، فيدعو الواحد منا ويترحم عليه، يتبادر آخرون مباشرة بالإنكار والزجر، فيشعر الداعي أنه ارتكب جرما كبيرا وإثما مبينا. ولما رأيت أن القضية تتضخم، والمسألة بدأت تأخذ أكبر من حجمها، لجأت إلى قراءة الأدلة في هذا المجال لأخرج منها بما أراه حقا وصوابا إن شاء الله، ولعل الله ينفع بما أكتب في هذا المجال فيخفف حدة السباب والشتام الذي يلجأ إليه بعض المختلفين، ويكون في الأمر سعة إن شاء الله، فيعذر كل واحد منا الآخر ويؤتيه حق الإختلاف وتنوع الرؤى والترجيحات.
هذا وبعد قراءة للأدلة ووقوف على المرجحات والإستدلالات انتهى بي الرأي إلى جواز الترحّم على غير المسلم المسالم المتصالح مع المسلمين، والذي عرف منه حسن المعاملة والإتيان بالخيرات وعدم معاداة المسلمين وعدله وإنصافه وبعده عن الظلم معهم، وذلك لما يلي:
الدليل الأول: أن البر بالأحياء منهم جائز بالنص القرآني فكذلك البر بأمواتهم. فقد قال تعالى" (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ...) ودعوى التفريق بين الأحياء والأموات تحتاج إلى دليل. وقد قال النووي معلقا على حديث إذن الله للنبي يزياة قبر أمه (وفيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى" انظر النووي على مسلم. دار إحياء التراث العربي. 7/45. 
  وهذا الكلام من الإمام النووي يدل على أن لا شيئ يحرم في حق الميت مما كان يجوز في حقه في حياته إلا ما كان لدليل خاص، ولا دليل هنا. ولفظ (الأولى) الوارد في كلام النووي لا يشكل فرقا كبيرا. ولا شك أن مفهوم البر يشمل الدعاء لهم والإحسان إليهم وخاصة إذا كانوا أقرباء أو زوجات أو أصدقاء.
الدليل الثاني: أن المنهي عنه هو خصوص الإستغفار لغير المسلمين وليس عموم الترحم عليهم، فالقارئ المدقق للنصوص التي جاءت في هذا الصدد يجد لفظ (الإستغفار) بارزا بكل ثقله. فاقرأ معي قول البارئ جل جلاله ( ما كان للنبي والذين آمنوا معه أن يستغفروا للمشركين...) وقال تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)  وفي الحديث الذي جاء في هذا الصدد والذي هو نهي النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الإستغفار لأمه حيث حدث أبو هريرة رضي الله عنه قال: (زار النبي (صلى الله عليه وسلم) قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: (استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)   فواضح من الحديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) نهي عن الإستغفار وليس عن غيره وعليه فلا يجوز تعميم هذا الحكم هنا ليشمل الترحم على أقربائنا وأصدقائنا الكفار من الذين لم يعرفوا بعداوة لنا. والإستغفار هو الميزة الكبيرة التي للمسلم الميت على غيره، ولذلك نجده يحتل موقع الصدارة في أدعية النبي لأموات المسلمين (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) (اللهم اغفر لحينا وميتنا...) (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه) فبدأ بالإستغفار له لأنه أخص خصوصيات الميت المسلم.
وقد يقول قائل: وما الفرق بين الإستغفار للميت والترحم عليه؟ فأقول:
إن الإستغفار يتضمن طلب إدخال المستغفر له الجنة، وغفران الله للعبد يستلزم إدخاله الجنة، وليس الأمر كذلك في الترحم، فيمكن أن يرحم الله العبد وإن لم يدخله الجنة، كأن يخفف عنه العذاب مثلا، فالعلاقة بين الترحم والإستغفار علاقة عموم وخصوص مطلق. فالرحمة أعم من الغفران. فكل  غفران رحمة، وليس كل رحمة غفران، وإذا استثني بعض أفراد العام يبقى الحكم ساريا على الأفراد الأخرى، وهذا يعني أنه يجوز الترحم على الكافر مع اعتقاد طلب أصناف الرحمة الأخرى له غير الإستغفار كتخفيف العذاب عنه مثلا مما لا يتضمن طلب إدخاله الجنة.
الدليل الثالث: أن الراجح هو تخفيف العذاب على الكفار الذين عرفوا بخيراتهم وبعض الأعمال الصالحة، وتشديد العذاب على من عرف بشره وبطشه وجبروتيته، وإذا جاز تخفيف العذاب عليهم بهذه الأعمال جاز الدعاء لهم والترحم عليهم بأن يرحمهم الله عز وجل بذلك التخفيف، فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام البيهقي في البعث والنشور والإمام الحاكم في المستدرك (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَحْسَنَ مُحْسِنٌ مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ إِلَّا أَثَابَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا إِثَابَةُ اللَّهِ لِلْكَافِرِ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ قَدْ وَصَلَ رَحِمًا أَوْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَوْ عَمِلَ حَسَنَةً، أَثَابَهُ اللَّهُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَالصِّحَّةَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ» ، قَالَ: فَقُلْنَا: وَمَا إِثَابَتُهُ فِي الْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: «عَذَابًا دُونَ الْعِقَابِ» قَالَ: وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ»
قال الإمام الحاكم في المستدرك ( هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) راجع المستدرك. دار الكتب العلمية. 2/278. وقال البيقهي: (وروي عن عروة بن الزبير بإسناد صحيح ما يؤكد هذه الطريقة)  البعث والنشور للبيهقي. مركز الخدمات والأبحاث الثقافية. 1/62.
ويبدو أن هناك اختلافا في عتبة ابن يقظان أحد رواة الحديث، فقد وثقه ابن حبان في الثقات، وقال عنه الذهبي (واه جدا) وضعفه النسائي ، وقد حكم الألباني على الحديث بأنه منكر بمرة. انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة. 14/441. وهم يقصدون بالإنكار هنا إنكار المتن.
ونحن نقول سواء ثبت الحديث أو لم يثبت فإن تشديد العذاب على الكافر لإجرامه وبعده عن الخيرات وتخفيف العذاب عنه لفعله الخيرات وقلة اجرامه وحسن تعامله مع الناس هو ما يترجح إن شاء الله، وسنزيد هذه النقطة إيضاحا عند مناقشة الإشكالات.
الدليل الرابع: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دعا لعمه أبي طالب أن يخفف الله عليه العذاب وذلك بسبب ذبه عن حياض المصطفى ووقوفه معه ليحصل على حق حرية التعبير لإبلاغ دعوته، فصار أخف أهل النار عذابا،وهذا يجوز لنا الدعاء لآبائنا واخواننا وأصدقائنا ورموز العدالة ومحاربي العنصرية ودعاة الإنصاف ومناهضي الظلم بتخفيف العذاب عنهم إذا ماتوا على الكفر، وأن ندعو الله أن يرحمهم بمنحهم ذلك بفضله عز وجل. ودعوى التخصيص هنا بأبي طالب الذي ذكره بعض علمائنا الأجلاء يحتاج إلى دليل. والفرق الوحيد بين أبي طالب وبين غيره من المعذبين في النار أنه أخفهم عذابا، وليس المعنى أن غيره لا يخفف عليه العذاب، وقد قال تعالى: (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) فدلت الآية أن هناك أشد العذاب، ودل حديث أبي طالب أن هناك أخف العذاب، والناس الآخرون بين هاتين الدائرتين، درجاتهم متفاوتة فيها حسب أعمالهم. بل ورد في حديث مسلم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في شأن أهل النار: (إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته إلى عنقه)
ويرد على هذه الأدلة وعلى هذا القول ثلاثة إشكالات:
الإشكال الأول: أن أمنا عائشة رضي الله عنها سألت النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ابن جدعان، هل ينفعه أعماله التي اشتهر بها في الجاهلية  من صلة الرحم وإطعام المساكين وإكرام الضيف؟ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) أنها لا تنفعه.  ثم علل النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك بقوله: (إنه لم يقل يوما ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين) والحديث وارد عند الإمام مسلم.
والجواب عن هذا الإشكال كالتالي: يمكن أن يقال أن قصد النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله (لا ينفعه) أي لا ينفعه بأن يؤهّله لدخول الجنة، وليس أنه لا ينفعه في تخفيف العذاب عليه. والدليل على ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم) في الأخير (إنه لم يقل يوما ربي اغفر لي خطيئتي يوما الدين) ومعروف أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يقصد بهذا أنه لم يكن موحدا ولا مؤمنا بالله عز وجل، ولا يقصد أنه لم يقل مجرد هذا الكلام فقط،  فهذا تعبير عن الملزوم باللازم، فالملزوم هو الإيمان بالله وتوحيده، ولازمه طلب المغفرة منه تعالى، ولا وجود للازم دون وجود الملزوم، فالنبي يشير هنا بأنه لم يوجد عنده الإيمان والتوحيد ولذلك لم يوجد عنده الإستغفار،  فبناء على هذا التخريج نصل إلى نتيجة أنه إذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) أراد أنه لا ينفعه لأنه لم يكن مؤمنا بالله، علمنا من باب اللزوم أن الإنتفاع المنفي هو الإنتفاع الذي ينتج عنه دخول الجنة، لأن الذي يؤمن بالله واليوم الآخر وبالرسل ويستغفر على ذنوبه ولا يشرك بالله شيئا لا ينتفع بهذه الأشياء انتفاعا أوليا بتخفيف العذاب عليه،وإنما ينتفع بها من باب ثقل ميزانه وبالتالي دخوله الجنة دون عذاب أو رفع درجاته في العليين.
وقد قال الإمام البيهقي بعد روايته للحديث المذكور: ( وهذا لا ينفي تحقيق أبي طالب بأنه ينفعه ما صنع إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) في التخفيف عنه من عذابه. وقد يجوز أن يكون الحديث ما ورد  من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على كفره، ورد في أنه لا يكون لها موقع التخليص من النار وإدخال الجنة، لكن يخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر بما فعل من الخيرات والله أعلم) انظر البعث والنشور للإمام البيهقي ص 62. مركز الخدمات والأبحاث الثقافية. بيروت.
وذكر ابن رجب هذا الحديث عن طريق آخر فقال: (وروى الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل، قال: قالت عائشة: يا رسول الله، أين عبد الله بن جدعان؟ قال: في النار، فجزعت عائشة، واشتد عليها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، قال: يا عائشة، ما يشتد عليك من هذا؟ قالت بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ! إنه كان يطعم الطعام ويصل الرحم، قال: إنه يهون عليه بما قلت» ثم قال ابن رجب: "خرجه الخرائطي في كتاب مكارم الأخلاق وهو مرسل"  انتهى كلام ابن رجب. راجع التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار) مكتبة المؤيد. ط2. 1/184.
أقول: قد بحثت عن الحديث في كتاب الإمام الخرائطي في الطبعات التي حصلت عليها فلم أعثر عليه، ولعله متوفر في طبعات أخرى، لأن كتاب الخرائطي سقط منه عدد كبير من الأحاديث في أكثر الطبعات. والله أعلم.

الإشكال الثاني: : قول الله عز وجل (نَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) فهذه آية صريحة أن العذاب لا يخفف على الكافر.
والجواب عن هذا الإشكال من وجهين:
الوجه الأول: أن هذه الآية من قبيل ما يصطلح عليه عند المناطقة بالقضية المبهمة، أو عند الأصوليين بالعام الذي أريد به الخصوص، وهو أن يطلق المتكلم لفظا أو حكما عاما ويكون مراده بعض أفراد العام وليس كلهم، وقد ذهب بعض الأصوليين أن مثل هذا العام يكون مراد المتكلم منه أقل مما ليس بمراده، ولعله يصدق على قول الله تعالى (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) فهذا عام أريد به الخصوص، ومراد المتكلم أقل من غير مراده، فمراده هو شخص واحد فقط وهو  نعيم بن مسعود. وهذا بخلاف العام المخصوص الذي يكون مراد المتكلم فيه أكثر مما ليس بمراده فيخرج بعض أفراد العام ويبقى الأكثر. وهذا يقودنا أن نقول بأن الحكم المذكور في الآية أن العذاب لا يخفف على أهل النار إنما المراد به بعض أهل النار وهم أقل من غيرهم، وهذا صار لهم لما عرفوا به من الكفر الشديد والعداوة الشديدة لأهل الخير والدعوة والإصلاح. ثم ذكر بعض الأصوليين نقطة مهمة جدا في التفريق بين العام الذي أريد به الخصوص والعام المخصوص، فقالوا بأن الأول لا يصح الإحتجاج بظاهره لأن المراد منه أقل، بينما الثاني يصح الإحتجاج بظاهره لأن المراد منه أكثر، وهذا يمهد لنا القول بأنه لا يجوز أن نطلق الحكم على أهل النار جميعا بأنه لا يخفف عليهم العقوبة لأنه المراد منهم أقل ممن ليس بمراد.
 وكما تفهم أن الله لم يقصد بقوله (والناس أجمعين) جميع الناس بجميع أفرادهم، فكذالك يجب أن تفهم أن قوله (فلا يخفف عنهم العذاب) لا يقصد به جميع الكفار بجميع أفرادهم. فأعتقد أنه لا يصعب عليك أن تفهم أنه ليس كل الكفار مشمول بعدم تخفيف العذاب ، كما لم يصعب عليك أن تفهم أنه ليس كل الناس يلعن كل الكفار, فالكافر لا يلعن نفسه، والمشركون والمسيحيون واليهود لا يلعنون أنفسهم، فهذا أيضا من باب العام الذي أريد به الخصوص.
الوجه الثاني: أن المقصود من الآية هو أنه لا يخفف على هؤلاء الكفار العذاب الذي يستحقه كل واحد منهم، يعني بعد أن يقدر الله عذاب كل واحد منهم وأعطاهم التخفيف والمقدار الذين يستحقه كل واحد بعد حساب خيراته وأعماله الإنسانية وأخلاقه وخدماته فإن العذاب المقدر له بعد ذلك لا يخفف عنه، وليس المراد أنهم كلهم متساوون في العقوبة ولا يوجد تخفيف نسبي بينهم في العذاب. فلا شك أن بعضهم أشد عذابا من بعض كما هو ثابت في النصوص الأخرى.
الإشكال الثالث: أن القاضي عياض نقل الإجماع على أن الكفار لا ينتفعون في الآخرة بالخيرات التي عملوها في الدنيا. فقد قال نقل عنه النووي في شرح مسلم قوله: (وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ، ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب ، لكن بعضهم أشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم) انظر شرح النووي على مسلم. دار إحياء التراث العربي. 3/87.
 ويرد على هذا بجوابين:
الجواب الأول: أن الإجماع المحكي من القاضي غير مسلم، فقد نقل ابن رجب الخلاف في هذه المسألة في كتابه (التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار) مكتبة المؤيد. ط2. 1/182 فقال رحمه الله: (وأما الكفار، إذا كان لهم حسنات في الدنيا، من العدل والإحسان إلى الخلق، فهل يخفف عنهم بذلك من العذاب في النار أو لا؟ هذا فيه قولان للسلف وغيرهم. أحدهما: أنه يخفف عنهم بذلك أيضاً، وروى ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، معنى هذا القول، واختاره ابن جرير الطبري وغيره) ثم ساق الإمام ابن رجب بعض الأدلة للفريقين.
وإن كنت أر – حسب ما وقفت عليه من كلام ابن جرير الطبري في تفسيره- أن هناك فرقا بين ما قاله ابن جرير الطبري وبين هذه المسألة، فابن جرير يقول بأن الكفار يرون أعمالهم السيئة والخيرة في الآخرة، استدلالا بقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) ولكن لم يصرح بأنه سينتفعون به.بل ظاهر كلامه ينفي ذلك، فالظاهر أنه يرى أنهم يرون أعمالهم كلها ثم يرد عنهم خيراتها. راجع التفسير  طبعة مؤسسة الرسالة. 24/550.
ولكن الإمام البيهقي الذي هو أقدم من القاضي عياض ذكر في كتابه ( البعث والنشور) ص62. ما يدل على عدم وجود هذا الإجماع، حيث قال: (وقد يجوز أن يكون الحديث ما ورد  من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على كفره، ورد في أنه لا يكون لها موقع التخليص من النار وإدخال الجنة، لكن يخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر بما فعل من الخيرات والله أعلم) فإذا كان الإمام البيهقي يقول هذا الكلام فمتى حصل الإجماع إذا؟!!!

الجواب الثاني: أن في كلام القاضي ما يرد على مذهبه، وبيان ذلك أن أهل النار إذا كانوا يثابون على الترك فلماذا لا يثابون على الفعل؟ وللتوضيح أكثر أقول بأن القاضي عياض رحمه الله أقر بأن بعض أهل النار يكون أقل عذابا من غيرهم لكونهم تركوا ارتكاب بعض الجرائم، فإذا كان هؤلاء خفف عنهم بمجرد الترك فلماذا لا يخفف عنهم بسبب خيرات فعلوها؟!! بل إننا نعتبر تركهم فعلا، ولكنه فعل امتناعي، يعني نحن هنا لا نسلم للقاضي أن أهل النار لم يثيبوا على خيرات فعلوها حتى على كلامه هو، لأن مجرد الإمساك عن إتيان الشر والجرائم فعل، وهو ما يمكن أن نصطلح عليه بالفعل الإمتناعي، والشخص الذي يفعل بعض الخيرات لا شك أنه قد  صدر منه هذا الفعل الإمتناعي لأنه امتنع عن فعل الجرائم أولا، ثم صدر منه الفعل الإتياني وهو أنه فعل الخيرات، فكيف يفضل القاضي عياض الكافر الذي صدر منه الفعل الإمتناعي فقط، على الكافر الذي صدر منه الفعل الإمتناعي وزيادة، وهو الفعل الإتياني الخيري.  أليس الفعل الإتياني أبلغ من الفعل الإمتناعي؟!!
هذا ما تيسر لي كتابته في هذه الورقات، فإن صوابا فمن الله وإن خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريئ.
أسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يجعل أعمالنا خالصا لوجه الكريم.
كتبه العبد الفقير إلى ربه: عبد الرزاق كابا. كولالمبور. ماليزيا.
15/12/2013 الموافق   15/صفر/1435ه



Wednesday, December 4, 2013

عصر التضليل الرقمي

عندما تنفتح شهيتك للتسوق في بعض الأسواق العالمية بما فيها الأسواق الماليزية فإنك غالبا ستقع ضحية الأرقام، إن التجار الأذكياء يحسنون التعامل مع الأرقام بصورة لا يستوعبها عقولنا في أغلب الأحايين. هل تعرف أين وجدوا ضالتهم في تلك اللعبة الرقمية؟ أجل، لقد وجدوها في الرقم 9.

 والرقم 9 كما تحدّث عن نفسه في مسابقة الأرقام مخاطبا الأرقام الأخرى بافتخار (أنا...أنا... تأملوا جمال التكعيب والانفراد وعندي ينتهي آخر عدد من أعداد الخانة الواحدة)   راجع إبرهيم العجلوني (الصفر سيد الأرقام) في جريدة الرأي الأردنية.

لم يتصدر الرقم 9 قائمة الفائزين في مسابقة الأرقام ولكنه –بلا منازع- حظي بالصدارة في لعبة التجار المهرة، لقد فهم تجار التجزئة سر التصريحات التي أدلى بها الرقم9 (وعندي ينتهي آخر عدد من أعداد الخانة الواحدة) وأعادوا صياغتها كالآتي (وعندي تنتهي أسعار البضائع المعروضة في أسواق الحيل والمكر) ولذلك سيظهر أمامك سعر أغلب البضائع المعروضة في هذه الأسواقمنتهيا بالرقم9، فإذا كانت البضاعة 1000.00 سيسعرون هكذا 999.00، وإذا كانت100.00 يسعرونه ب 99.00، وقد يكون السعر بعد إضافة هامش الربح يساوي في حقيقته 43 ولكنهم سيسعّرونه ب 49. إن السر في هذه اللعبة التجارية يكمن في أن الذهن البشري لا ينتبه كثيرا إلى الكسور التي تضاف إلى الأرقام الصحيحة التي تقع في الجانب الأيسر، وبالتالي فإنه يخيل إليه أن السعر مناسب وأن الرقم 9  يمثل أفضل الأسعار المعروضة على البضائع، وبالتالي يستهلك الكثير، وتزداد الطلبات على البضاعة المعروضة، فالذهن البشري لا يرى المسافة التي تقع بين الخبز الذي يباع ب1.99 والخبز الذي يباع ب1.01 مثل المسافة التي يراها بين الخبز الذي يباع ب 3.00 والخبز الذي يباع  ب 2.01 مع أن المسافتين واحدة!!!

وأكبر تضليل يقع في الأرقام يتمثل في الإقتصاد والسياسة، ففي الجانب الإقتصادي نقرأ على سبيل المثال أن النمو الإقتصادي في أفريقيا قفز من 3% إلى 6% أو أن الناتج المحلي الإجمالي وصل إلى 50 مليار دولار بدلا من 35 مليار، فيقرأ المواطن العادي مثل هذه الأرقام فينبسط أسارير وجهه، وتتسابق الصحف والمجلات الإقتصادية إلى نشر هذه الأرقام دون أن يفحصوا حقيقتها، ويختبروا التلاعبات التي يمكن أن تقع فيها، وقد تسخدم هذه الأرقام الحكومات الفاشلة، وترددها التفلزيونات الرسمية دون أن يعي المواطن العادي معنى (النمو الإقتصادي) أو (الناتج المحلي الإجمالي) إن التركيز على الناتج المحلي الإجمالي على حساب مؤشرات البطالة وتوفير الفرص الوظيفية ورفاهية المواطن والتوزيع العادل للثروة من أخطر وأكبر التضليلات الرأسمالية في عالم الإقتصاد. وعلى شعوب الدول النامية أن لا يغتروا بمثل هذه الأرقام الفلكية، فإن بعضها لا تطعم جائعا، ولا تكسو عاريا ولا يشفي مريضا.
وعندما نضع المجال التجاري والإقتصادي جانبا ونتطرق إلى المجال السياسي فإن الأمر لا يقل خطورة ، فبترجيع شريط الأزمة المصرية وأحداث إسقاط رئيسها المنتخب ديمقراطيا سنلاحظ طريقة التلاعب بالأرقام عبر وسائل الإعلام، فقد أطبقت وسائل الإعلام المحلية المصرية وأكثر وسائل الإعلام العالمية أن عدد المتظاهرين وصل إلى 30 مليون شخص، وبعد تحقيقات من هيئة الإذاعة البريطانية التي تمخضت نتائجها بأن طاقة استيعاب ميدان التحرير لا تكاد تتجاوز (500.000) شخص، كما أن دراسة أخرى أجراها الأستاذ أمجد منذر عبر (غوغل ايرث) تقاربت مع هذه النتيجة، وهكذا دراسة أخرى لصحيفة غادريان البريطانية.  راجع هويدي في الشروق (إنتصار لزمن الفرجة)
بل عندما نراجع العملية الديمقراطية برمتها نجد أن هناك كذبة كبيرة لا زالت كثير من وسائل الإعلام ترددها غداة كل عملية انتخابية، فوسائل الإعلام لا تتورع عن إطلاق تصريحات بأن الحزب الفلاني فاز ب (أغلبية الشعب)، بينما الحقيقية أن الحزب لم يحصل إلا على (أغلبية الناخبين) وليس على أغلبية الشعب، فكثير من الدول الديمقراطية لا يشارك في العملية الإنتخابية فيها أكثر من 50%  من مواطنيها، وإحجام الباقين عن المشاركة يتوزع على كون بعضهم في مناطق نائية أو عدم معرفتهم بالطرق الإجرائية، أو عدم رضاهم بالبرامج السياسية للمرشحين وعدم ثقتهم فيهم، أو أنهم مشغولون ولا يوجد عندهم رغبة شخصية كبيرة في المشاركة، وبالتالي فليس دقيقا أن نطلق الكلام على عواهله بأن الحزب فاز بأغلبية الشعب فهذا لا يخلو من تضليل وخيانة.

وعندما نتجاوز  التضليل الرقمي في التجارة والإقتصاد والسياسة فسنجده منتشرا في مجالات أخرى، فخذ مثلا المجال العلمي، فنحن نقدس الشخصية الكمية على الشخصية النوعية، فعندما نقرأ أن فلانا نشر 120 مقالة وبحثا، وشارك في 90 مؤتمرا محليا وعالميا، وألف 70 كتابا، ولربما يكون مستشارا ل 30 بنكا إسلاميا، فيذهلنا الأرقام ويخرجنا عن صوابنا، ولا يخطر ببالنا أن نسأل ما هي المساهمة الفكرية الإبداعية الحقيقية التي أنتجتها أوراقه ومؤتمراته التي لا تنتهي؟!!!

وفي مجال مواقع التواصل الإجتماعي أصبحنا نقيس مكانة العلماء وحجم الشخصيات بالصفحات المليونية فيسبوكية وتويترية وعدد اللايكات والإعجابات ومرات المشاهدات لمقاطعهم يوتوبية.

إن النبي (صلى الله لعيه وسلم) قد نبهنا إلى خطورة الغرور بالأرقام والإنخداع بها وأنها ليست هي الموازين الحقيقية للقيم المعيارية، فقد تحدث عن الكثرة الغثائية (أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل) بل إن التضاعف الرقمي لم يكن يوما النظرة المعيارية حتى في الهداية، يقول القرآن الكريم (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)
بل إن القرآن الكريم يفضح منطق أولئك الذين اغتروا بالأرقام وضلوا بها وأضلوا، فيقولون (نحن أكثر أموالا وأولادا) فبهذه الكثرة الرقمية الإنخداعية أقاموا نتائج كاذبة وغير حقيقية، فقالوا ( وما نحن بمعذبين)
لقد فهم اليهود أن الخدعة الرقمية لعبة خطيرة ومهمة في عالم السياسة، وهاهم اليهود لا يمثلون في العالم إلا 1% ولا يتجاوز اسرائيلهم خمسة مليون شخص، ولكنهم يتفوقون على 300 مليون شخص من جيرانهم. أين ذهبت الأرقام؟!!!
إن الأرقام أصبحت حاضرة في حياتنا أكثر من أي وقت مضى، وأصبحت شركات الأدوية والمشروبات والأطمعة والحكومات والجامعات والمنظمات والأعمال الإنسانية كلها تقيس بلغة الأرقام، وهذه الأرقام لا شك أنه يمكن التلاعب بها إما في طريقة إعدادها أو اختيار المستهدفين منها، أو أسلوب الأسئلة والأجوبة التي يتلقونها أو يكون هناك تلاعب في طرق عرضها وتوظيفها ولغتها الغامضة أحيانا. وعلى هذا فليس من السهل اليوم فهم لغة الأرقام التي يستخدم من قبل المؤسسات والمنظمات وغيرها، كما أنه ليس من السهل التحقق منها وفحص محتوياتها.

لقد نبهنا الكاتب الفرنسي الشهير أنطوان أكزوبري في روايته الشهيرة (الأمير الصغير) Le    Petit Prince إلى خطورة الإغترار بالأرقام، ويذكر الطفل الصغير بطل الرواية أن كثيرا من الكهول والكبار يغترون بالأرقام ويعتبرونها معيارا للحقائق، فيقول ساخرا منهم ببراعة وهو يخاطب أصدقاءه الصغار ويعتذر لهم "قصصت عليكم قصة الكوكب رقم 612 بتفاصيلها وأطلعتكم على رقمه وذلك لأنّ الكبار يحبّون الأرقام فإذا حدّثتهم عن صديق عرفته حديثاً أغفلوا مزاياه الجوهرية ولم يسألوك عن نبرة صوته ولا عن الألعاب المفضّلة لديه ولا عن هوايته في جمع الفراشات بل يسألونك: كم عمره؟ وكم أخا له؟ وكم وزنه؟ وكم من المال يكسب أبوه؟ فإذا عرفوا كل هذا اعتقدوا أنّهم عرفوه. وإذا قلت للكبار: "رأيت بيتاً جميلاً مبنياً بالقرميد الأحمر وعلى نوافذه الرياحين وعلى سطحه الحمائم..." فلن يكون بوسعهم تصور هذا المنزل. فإذا أردت الإيضاح وجب عليك أن تقول "رأيت بيتاً ثمنه مائة ألف فرنك" فيصيحون قائلين: "ما أجمل هذا البيت!". وإذا قلت لهم: "دليلي على أنّ هذا الأمير الصغير قد وجد حقّاً هو أنه كان فاتن الطلعة وأنه كان يضحك وأنه كان يريد خروفاً ومجرد أنه يريد خروفاً دليل على وجوده"إذا قلت لهم ذلك هزّوا أكتافهم ورفعوها وقالوا: أنت حقا ولد صغير...أمّا إذا قلت لهم: "إن الكوكب الذي جاء منه الأمير هو الكوكب رقم612 " اقتنعوا بكلامك وتركوك وشأنك ولم يزعجوك بأسئلتهم. هم على هذا الدأب فلا لوم عليهم وما على الأولاد إلا أن يتحملوا ويعاملوا الكبار بالحلم والصبر. هذا هو الواقع أمّا نحن الصغار فنفهم معنى الحياة، ولا غرابة في أن نستخف بالأرقام"
هذا ما قاله الطفل الصغير للكبار ساخرا، ولا أظنه جانب الصواب كثيرا، وعليه أقول لكم أخيرا: إن الأرقام مهمة جدا في حياتنا وفائدتها كبيرة وعريضة، ولكنها سلاح ذو حدين، فعلينا أن نتعامل معه بحذر، لأنه يبدو أن حده الأيسر أكثر حدة من حده الأيمن.

Sunday, December 1, 2013

معليش يا أعمامي السلفيون!!!

ليسامحني أعمامي السلفيون على اختلاف أصنافهم وتياراتهم، بس متحير شوي.  ليش ما طلعت السلفية التصنيفية في السعودية (اليسار السلفي) إلا لما ازدهرت زعماء الصحوة؟ ولم تتدخل السلفية النورية البرغماتية المصرية (الوسط السلفي) إلا حين الإطاحة بالرئيس المنتخب؟ والآن نرى السلفية الجهادية (اليمين السلفي) على شوراع تونس للتشويش على النهضة التي  قضت عمرها كلها لمكافحة ابن علي، بينما كانت السلفية التونسية نائمة في ذلك الوقت؟؟؟
هل عرفتم ما ذا توصلت إليه أخيرا؟ توصلت إلى أنكم كلكم مختلفين في المنهج ولكنكم تلتقون في النتيجة. النتيجة أنكم لا تنشطون إلا عندما تكون الصولة والجولة والنفوذ للإسلاميين المعتدلين، أما عندما تخلو الساحة منهم فأنتم تستريحون.
 فلا أدري هل العلمانيون أفضل من الإخوان المسلمين وغيرهم من الجماعات الإسلامية المعتدلة، أم أن العلمانيين أشد إجراما من أن يحاربوا من قبلكم وبالتالي تركتم أمرهم لله؟؟؟ وإذا كان هكذا فيا له من منطق رزين، ففرعون وهامان وقارون زعماء الكفر والضلال حوربوا من قبل الأنبياء!!!إلا إذا قلتم بأن العلمانيين أشد كفرا من فرعون وهامان وقارون، فمن هناك تفحمونني!!
وأمر آخر يحيرني فيكم يا أعمامي – معليش- فأنتم يا السلفية التصنيفية اليسارية (سلفية الجرح والتعديل) تقولون بأن نبدأ بالتوحيد ومنابذة الشرك وأن القبور كثيرة في العالم الإسلامي، ولكنكم لم تبدؤوا بهذا بل بدأتم بالرد على الدعاة وبالجرح والتعديل، فأين القبور والشركيات التي أزلتموها خلال عقدين من الزمن؟؟؟ بالله عليكم، اشتغلوا بالقبور والشركيات شوي بعدين ترجعوا إلى الدعاة.
أما أعمامنا النوريون البرغماتيون المصريون فمع أنهم بنووا أدبياتهم السياسية على أن خلع الرئيس المنتخب للمصلحة وحقن الدماء إلا أنهم لم يتراجعوا ويعلنوا خطأ اجتهادهم بعد أن تبين لهم خطؤه، فهل وصلت البرغماتية إلى هذا الحد الذي يتفوق على برغماتية الإخوان الذين تتهمونهم بأنهم فتحوا دكاكين ومخازين للمتاجرة بالدين والشريعة؟؟
أما السلفية الجهادية فيبدو أنهم أوضح الجماعات طريقا وأشدها اخلاصا –طبعا على طريقة اليمينيين في كل الجماعات-  ولكن – بالله عليهم- متى يوازنون بين المصالح والمفاسد، ومتى يوقفون أسلحتهم عن صدور المسلمين، ومتى يراجعون الحسابات ويوازنوا بين أسامين، أسامة الأول ورث أموالا طائلة من أبيه فبنى آلاف الجامعات والمستشفيات للمسلمين، وتكفل بآلاف الدعاة إلى غرب العالم وشرقه للدعوة ونشر الإسلام، وفتح آلاف القنوات الفضائية الإسلامية ودرب صحافيين وإعلاميين وهندسيين وعلماء جيلوجيا والفلك والحاسوب من المسلمين ليقوموا بتبليغ واجب بناء قيم حضارية للمسلمين، وبين أسامة الثاني الذي كان قصده جيدا إلا أنه اعتقد أن الغاية تبرر الوسيلة فقتل كثير من الأنفس البريئة وغير البريئة، وفجر القنابل في الديار الإسلامية وغير الإسلامية وتسبب في تشويه صورة الإسلام، وأعطى ذرائع للأعداء الإسلام لمزيد من السيطرة والإحتلال،ثم مات ولم يحقق شيئا من أهدافه.  هلا تذكرتم المسافة التأثيرية بين ذاك الكويتي عبد الرحمن السميط الذي جاب الأمصار وأسلم على يديه آلاف الناس في أفريقيا وغيرها  وبين ذلك المجاهد أسامة بن لادن الذي اراد خيرا ولم يصبه!!! لقد فوض كلهم أرواحهم إلى بارئهم ونسأل الله أن يرحمهم ويتغمدهم برحمته ويغفر لهم جميعا، ولكن حتما إن الحياة في سبيل الله أصعب من الموت في سبيل الله، وقد كفى ثلاثة عقود درسا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وأخيرا يا أعمامي من فضلكم لا تصنفوني مع الإخوان من أجل هذه الكلمات، فلست اخوانيا فقط أخ مسلم.
أحبكم جميعا.

Wednesday, November 20, 2013

قراءة مفاهيمية في قوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها)

الأصل في التعبير القرآني تسمية الأشياء بحقائقها، وإطلاق ما يليق بها من الأسماء والألقاب فيطلق على السلوكيات والأخلاقيات الجيدة التعبيرات التي تدل على الصلاح والجودة والحسن، ويطلق على التصرفات والتعاملات السيئة الألفاظ التي تدل على فسادها وقبحها وطابعها الشيطاني، ولكن في الآية التي معنا يبدو أننا نلاحظ عكس ذلك، أو هو ما يتبادر إلى ذهننا منها في الوهلة الأولى، وبيان ذلك كالتالي:
في الآية التي معنا سمى الله عز وجل الظلم الصادر من الظالم بأنه سيئة، وسمى ردة الفعل الصادر من المظلوم بأنه سيئة مع أنه عز وجل يعلن بأن ذلك الفعل الثاني ليس بمعصية وأنه جائز للمظلوم أن ينتقم من الظالم (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) إذا فلماذا سماه بالسيئة مع جوازه وإباحته؟
لقد تأملت في هذه الآية واتهمت في البداية النتيجة التي توصلت إليها، ثم تأملت مثيلاتها فوجدت أن الرب يستخدم نفس الأسلوب في كل منها، فخذ مثلا قوله تعالى ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فسمى الفعل الثاني الصادر من المظلوم بالإعتداء، مع أنه عز وجل يجيزه له ويبيحه، وآية أخرى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) فسمى الرفض والإستنكار والتنديد وصوت الإنزعاج والتمرد الذي يصدر من المظلوم للتعبير عن حريته وكرامته وحقه بأنه (سوء من القول) مع أنه عز وجل يقول بأنه يحب ذلك، لأن قوله عز وجل   (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) يقابله (إن الله يحب الجهر بالسوء من القول من الذي ظلم) إذا فلماذا هذا الأسلوب يكاد يكون مطردا في مثل هذه المواقف؟
يمكننا أن نريح أنفسنا هنا، ونسلك منحى أغلب المفسرين الذين وقفوا عند التحليل البلاغي لهذه الآيات، واكتفوا بالقول بأنها من باب المشاكلة وهي مقابلة اللفظين المتحدين في اللفظ المختلفين في المعنى. إن هذه النتيجة صحيحة ولا غبار عليها، ولكني أرمي من خلال هذه القراءة قراءة أخرى قد نسميها منطقية أو فلسفية إن جاز التعبير. وعليه أقول:
إن هذا الأسلوب التقابلي التشاكلي الحرفي في هذه الآيات تعبير عن معنى شرعي مقاصدي عميق، وهو أن الله عز وجل يقول لنا بأن هذه الأفعال التي تفعلونها وترتكبونها في حالة اضطراكم إليها  على رغم كونها جائزا لكم في تلك الحالة إلا أن ذلك لا يرفع عنها صفة التقبيح والتحريم الشرعي الأصيل فيها-احتراز من التحسين والتقبيح العقلي الإعتزالي- فهذه الأفعال تبقى قبيحة في عين الشرع من حيث الأصالة حتى لو ارتكبتموها في حالة الجواز الإستثنائي، وحرصا على تأكيد هذا المعنى الفلسفي الشرعي العميق فإن القرآن الكريم التزم هذه الألفاظ في مواضعها حتى لا تغيب هذه المعاني عن الأذهان عندما نتعرض للظلم والإساءة، وهذا يقودنا إلى سؤال آخر ناتج عن السؤال الأول، وهو لماذا لا يريد الله عز وجل أن يغيب هذا المعنى الأصيل لهذه الأفعال عن مخيلة المظلوم؟ الجواب: لا يريد الله –إن شاء الله- أن يغيب هذه الأوصاف عن تلك الأفعال في مخيلة المظلوم لوظيفتين أساسيتين:

الوظيفة الأولى: أن استحضار تلك الأوصاف الأصيلة لتلك الأفعال قد يحمل المظلوم على العفو والصبر والتحمل الذي حثه عليه القرآن في بعض هذه الآيات (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) فأنت حينما تستحضر تلك الأوصاف السيئة لتلك الأفعال فقد تجد في نفسك نفورا وكرها وعدم الإرتياح في ارتكابها، وهذا يحدث كثيرا لأصحاب النفوس العظيمة والأشخاص المحترمة، فهم يعفون عن الظالمين ولا يعاملونهم بالمثل لئلا يدنسوا شرفهم وينزلوا بأنفسهم منزلة الظالم ، وربما عفوا عنه وتصالحوا فيما بعد.

الوظيفة الثانية: أن أقل ما قد يفعله ذلك الإستحضار إذا لم يحمل المظلوم على العفو، فإنه حتما سيحمله على الإنصاف والإعتدال وعدم تجاوز الحد في الإنتقام، لأنه يستحضر في ذهنه أن ما يفعله سيئة وظلم من حيث الأصل وإنما أبيح له فقط في ظرف استثنائي فعليه فلن يعتدي ولن يظلم، ولذلك حرص القرآن على ترسيخ هذا المعنى أيضا بقوله (سيئة مثلها) (فاعتدوا عليه بمثل)
إن هذا هذه الآيات تذكرني بالحديث المختلف في صحته (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) فالطلاق معنى سلبي، وهو غالبا يحتل مكانته بعد فترة حب ووئام وانجسام واحتفالات وولائم بين المتزوجين، فأحب الشارع عن يعبر عن حالة انقطاع هذه العلاقة الإجتماعية البالغة الأهمية بأنه (أبغض الحلال) إليه. وقد استغرب بعض الناس مثل هذه التعبيرات وحكموا على الحديث بنكارة المتن من أجل هذا الأسلوب، والحقيقة أن هذا الإستغراب نتيجة وجود فجوة بين مراعاة المعاني السيكلوجية المقاصدية والرحمة الربانية المراعاة في تشريعاته التكليفية للمكلفين وبين النظرة الإنعزالية الظاهرية المجردة للألفاظ بعيدا عن مقاصدها ومراميها، فالشريعة لم تأت إلا رحمة للعالمين، وهي قننت من قبل الله لتعزيز أواصر الرحمة والأخوة والتعايش والحياة الكريمة في الدارين لأتباعها المؤمنين، فكل ما يؤثر على حياة هؤلاء الأتباع سلبا فإن الشارع لا يحبه من حيث الأصالة وإن أباحه في حالة الضرورة والحاجة أو المصالحة عليه بين الزوجين، ومن هنا جاء التعبير الحديثي عن هذا المعنى ليظل هذا الوصف حاضرا في ذهن الرجل الطالق، ويتذكر أن ما يقدم عليه ليس من الأمور المحمودة لدى الشرع من حيث الأصل. وسأتعرض لتفاصيل أكثر لهذا التعبير وبعض المعاني الدقيقة فيه إن شاء الله في المستقبل.
وعودة إلى الآيات السابقة، فقد يشكل بعض الناس النتيجة التي توصلت إليها مع بعض الآيات الواردة في حق الله عز وجل. مثل قوله تعالى: (ويمكرون ويمكر الله) (إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا) (الله يستهزئ بهم...) فيثور سؤال: هل الله في هذه الآيات يريد أن يذكّر نفسه بأن هذه الأفعال التي يقوم بها ليست جيدة من حيث الأصالة؟

الجواب أن نقول: بأن هذه الأوصاف التي جاءت المشاكلة بها في هذه الآيات المتعلقة بالله عز وجل تحدثت عن أوصاف محددة مفصّلة تختلف عن الأوصاف التي جاءت في الآيات الأولى المذكورة أعلاه. فوصف (المكر، الكيد، والإستهزاء) هي تعبيرات جزئية نوعية قد تندرج تحت مفاهيم كلية- طبعا هذه الأشياء قد تعتبر كلية نسبية حسب جزئياتها أيضا- وبتعبير فلسفي أو منطقي فإن الألفاظ الواردة في الآيات الأولى التي تحدثت عنها هي مفاهيم كلية (السيئة، السوء، الإعتداء) بينما الأوصاف الواردة في حق الله عز وجل هي تعبير عن مصاديق هذه المفاهيم، ومعروف أن المفاهيم أكثر شمولية وإطلاقية وعمومية من المصاديق، فبينما لا يختلف كثيرا في وجود المفاهيم الكلية إلا عند الفلاسفة التجريبيين الذين ينكرون وجود المفاهيم الكلية، فإن تصديق هذه المفاهيم على (الماصدق) من المصاديق قد يكون متنازع فيه وربما محتملة. وهنا لما كانت هذه الجزئيات النوعية (المكر، الكيد، الإستهزاء) متأرجحة بين أن يكون أحيانا للخير وأحيانا للشر، لم يكن هناك غضاضة أن يصف الله به بعض أفعاله في حالات معينة، أما المفاهيم الكلية المتضمنة للمصاديق السلبية السيئة فلا يصف الله بها نفسه كما فعل في الآيات المتعلقة بالإنسان، فلم يقل الله أبدا في القرآن (يعتدون ويعتدى الله عليهم) أو (يظلمون ويظلمهم الله) أو (يسيئون ويسيئ الله إليهم) بل إن الله نفى الظلم المقابل فقال (وماظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (وما ظلمناهم ولكن أنفسهم يظلمون) فمن هنا نفرق بين المصاديق المحتملة في اندراجها تحت الكليات، وبين المفاهيم الكلية التي لا يشك أنها تتضمن جزئيات تصدق عليها تلك المفاهيم الكلية، وكذلك نفرق بين المصاديق القطعية التي تندرج تحت المفاهيم الكلية كالخيانة في اندراجها تحت الظلم، وبين المصاديق الجزئية الظنية التي تندرج تحت المفاهيم الكلية كالمكر في احتمال اندراجها تحت الظلم، ولذلك وصف الله نفسه أنه يمكر بالكافرين ولم يقل بأنه يخونهم، فقد جاء في القرآن (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم) ولم يقل فخانهم، لأنه من المصاديق القطعية للظلم.

يا رب غفرانك إن كنت مخطئا، لا حول ولا قوة إلا بك، أنت تعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب.
                                                      

Thursday, November 14, 2013

إزالة الإشكالية عن أحاديث عاشوراء

قال صاحبي على صفحتي فيسبوكية بأنه يرى تعارضا بين أحاديث عاشوراء، وقال موضحا لأحد أوجه هذا التعارض:
"متى أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بصيام عاشوراء؟ فالظاهر –لدي- من رواية ابن عباس "لما قدم المدينة وجد اليهود..." انها في السنة الأولى، بينما الرواية الأخرى "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع..." تدل أنها في السنة الأخيرة حيث لم يدركه النبي (صلى الله عليه وسلم) أي بعد أن أجلى اليهود من المدينة بسنوات"
  ثم قال صاحبي متسائلا باستنكار: "يا ليت  علمي أ وافقهم في الصوم لما كانوا حاضرين معه في المدينة وبعد إجلائهم نوى مخالفتهم بصوم التاسع والعاشر؟!!!
وأنا هنا أحاول بيان عدم التعارض بين الحديثين سائلا الله التوفيق والسداد، فأقول:
إن الحديثين اللذان أشار إليهما صاحبي مرويان من صحابي واحد، وهو ابن عباس رضي الله عنه، وسأورد الحديثين بلفظهما ثم أجيب على التعارض المذكور.
الحديث الأول:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» ، قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» ، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ" البخاري 3/44  دار طوق النجاة، الطبعة الأولى.
الحديث الثاني:  
 عن غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ» قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" صحيح مسلم 2/797. دار إحياء التراث العربي. تحقيق فؤاد عبد الباقي.

تحليل الحديثين والإجابة على الإشكالية
غالبا عندما نريد الإجابة على الإشكاليات، فنجد أن النظر في ثنايا النص والتدقيق في ألفاظه ومقارنة الروايات بعضها ببعض تحمل في طياتها حلا للإشكالية المطروحة، فدعونا نطبق هذه الفرضية على هذين الحديثين.
إن الحديث الأول الذي ورد فيه  (فوجد اليهود يصومون...) ذكر فيه ابن عباس أن السائل هو النبي (صلى الله عليه وسلم) والمجيبون هم اليهود، وهذا واضح في جميع الروايات المختلفة للحديث، فالسائل كان هو النبي والمجيبون هم اليهود.
أما الحديث الثاني (فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ) فذكر فيه ابن عباس أن السائلين والمستفسرين هم الصحابة والمجيب هو النبي (صلى الله عليه وسلم)
إذا ماذا يقول لنا اختلاف السائل والمجيب في الحديثين؟ لماذا النبي في الحديث الأول هو السائل واليهود هم المجيبون، ولماذا النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الثاني هو المسؤول والصحابة هم السائلون؟ إن الجواب على هذا السؤال هو الجواب على الإشكالية، والجواب على السؤال كالتالي:
 إن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما سأل اليهود وبينوا له السبب، ثم أمر النبي بعد ذلك بصيام عاشوراء، كان الأمر طبييعا بالنسبة للصحابة، فالأمر كان في بداية الهجرة وفي السنة الأولى منها، واليهود لم ينقضوا العهد بعد، ولم يجلوا من المدينة ولم يصبح بينهم وبين المسلمين حروبا طاحنة، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) في تلك الفترة يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيئ كما جاء ذلك في البخاري، إذا الأمر في هذه اللحظة لم يثر قلق الصحابة ولا تساؤلاتهم الكثيرة ولم يروا فيه تناقضا بين المنهج النبوي الذي اتبعه بعد ذلك في المخالفة الكثيرة لأهل الكتاب، ولذلك نجد أنه في هذه المراحل كان صيام عاشوراء العاشر فقط ولم يتحدث النبي (صلى الله عليه وسلم) عن التاسوعاء،  ولكن بعد فرض رمضان وطرد اليهود من المدينة، وحصول الحروب، وأصبح النبي (صلى الله عليه وسلم) يحب مخالفة أهل الكتاب، وصار هناك أحاديث كثيرة في التحذير من اتباعهم، وأمر بمخالفتهم في أشياء كثيرة، وعرف الصحابة ذلك عنه وقدعرفوا أيضا العداوة الشديدة لليهود تجاه المسلمين، فمن هناك جاء الصحابة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقالوا: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ)
فقول الصحابة للنبي (صلى الله عليه وسلم) (إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى) لا شك أن هذا من باب الإلحاح والإخبار المصاحب بالقلق وعدم الإرتياح وإظهار لرغبتهم الجامحة في مخالفة اليهود في صيام عاشوراء، وإلا لا يعقل أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان هو الوحيد الذي لم يكن يعرف أن اليهود يصومون يوم عاشواء، وبقية الصحابة يعرفون ذلك.
وبهذا يزول الإشكال بين الحديثين إن شاء الله، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان.

Thursday, November 7, 2013

خاطرة قرآنية (3) (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا)



من فضلكم إذا أسند إليكم مهمة لتوفر شروطها الأساسية فيكم فلا تبخلوا على أنفسكم وعلى أصدقائكم الذين يتوفر فيهم بعض الشروط التكميلية والتي لا تتوفر فيكم أن تستشيروهم وتطلبوا مساعدتهم ومصاحبتهم وانضمامهم، فموسى عليه الصلاة والسلام توفر فيه الشروط الأساسية والمتطلبات الضرورية للرسالة والنبوة والذهاب إلى فرعون، ولكنه لاحظ أن بعض الشروط التكميلية غير متوفرة فيه فسأل الله صحبة أخيه هارون (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردئا يصدقني، إني أخاف أن يكذبون) فطلب انضمام أخيه لأنه أفصح منه لسانا.
ومن هنا نعرف أن توفر الشروط الضرورية في الشخص لا يدل على توفر جميع الشروط التكميلية فيه، وهذا ما يدعونا إلى مراعات التكامل وتعزيز روح الفريق.
لعلك تلاحظ معي أن موسى عليه الصلاة والسلام قد سلم هنا من خطأين استراتيجيين كبيرين يصاب بهما كثير من القيادات والرموز والشخصيات ومدراء الشركات والجامعات والمدارس والمعاهد في أفريقيا والدول العربية:
الخطأ الأول: اعتقادهم أن المهمة أسندت إليهم لتوفر جميع المتطلبات اللازمة فيهم، فيخيل إليهم توافرهم على الشروط الضرورية والتكميلية والتبعية، مع أنه ليس بالضرورة أن يكون الأمر كذلك، وبالتالي هذا يقودهم إلى عدم الإستعانة بالآخرين والإستفادة من الآراء وتفويض بعض المهامات وأمور أخرى كثيرة. وهذا خطأ استراتيجي سلم منه موسى عليه الصلاة والسلام.
الخطأ الثاني: عندما يخيل إليهم توفر جميع نوعيات الشروط فيهم، تجدهم يعتقدون باطلا أن شخصهم وشخصيتهم أهم من المهمة نفسها، وهذا يزرع في نفوسهم الغطرسة والتبختر والعنجهية، فيرى كل شيئ في ذاته، ويرى أن اسمه أصبح أهم شيئ في الشركة أو المؤسسة أو غيرها، فتجده ليس فقط لا يستشير أصحابه وأصدقاءه وشركاءه وإنما يحاول إيصال رسالة مؤلمة إليهم بأنه هو الشركة، والشركة هو، وأنه عظيمهم وكبيرهم الذي لا يعصى له أمر. ومن هنا تسقط الرسالة والمهمة التي اسندت إليهم وتنهدم المؤسسة خاوية على عروشها. أما موسى عليه السلام قد عرف أن المهمة أهم من شخصه هو ولذلك عمل على إيجاد كل ما يكون في صالح الوظيفة حتى وإن كان ذلك يتطلب توجيه الكاميرا وتسليط الأضواء على شخص آخر غيره.
فمتى يفهم مديرو الأفارقة والعرب وقياداتهم ورموزهم أن تعيينهم أو انتخابهم لا يدل على توفر جميع المتطلبات التكميلية فيهم؟ فإذا كان موسى عليه الصلاة والسلام الذي اختير من قبل رب العالمين لم يعتقد أن جيمع المتطلبات التكميلية متوفرة فيه، فكيف يظن من اختير من قبل البشر أن جميع المتطلبات التكميلية متوفرة فيه؟!!!

Monday, November 4, 2013

بين خصخصة الكسوف وعولمة هلال رمضان


خطر ببالي - وأنا أقرأ منشورات زميلي أبي جميلة سليمان ينغادو وفارس أفريقيا محمد الأمين سوادغو عن الكسوف الحادث في غرب أفريقيا قبل يوم- عدم تقاتلنا على عولمة الكسوف والخسوف كما تقاتلنا فقهيا على عولمة دخول شهر رمضان وخروجه!!! وقلت أليست هذه كلها متعلقة بالفلكين (القمر والشمس) ورؤيتهما؟ فلماذا احتدم النقاش في الثاني دون الأول؟
وقبل أن أذهب بعيدا دعوني أوضح نقاطي أكثر، فأقول: لقد ثار جدل كبير –كما لا يخفى على شريف علمكم- حول ما إذا رئي الهلال في جزر القمر أو في مالاوي أو جامايكا هل يجب على مسلمي الأرض صيام رمضان وإفطاره؟ والذين قالوا بأن رؤية المسلمين في قطر تعتبر رؤية لجميع المسلمين في جميع الأقطار استدلوا في ذلك بحديث البخاري (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته....) وقالوا بأن الخطاب هنا للمسلمين جميعا، فإذا رآه بعضهم حقيقة وحسا فقد رآه كلهم معنا واعتبارا.
فالسؤال الذي يطرحه خاطري على سادة هذا القول هو: لماذا لم تقولوا بنفس القول في الكسوف والخسوف؟ لماذا لم تقولوا بأن خسوف دكار وسريلنكا وألبانيا يعتبر خسوفا للمسلمين كلهم؟ ألم يستخدم النبي (صلى الله عليه وسلم) نفس الأسلوب الخطابي هنا تماما مثل ما استخدمه في قضية رؤية هلال شهر رمضان؟ ألم يقل النبي (صلى الله عليه وسلم) كما في البخاري أيضا (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم فصلوا وادعو الله) لاحظوا يا السادة نفس لفظ (الرؤية) في كلا الحديثين، ونفس أسلوب الخطاب الجمعي (صوموا) جمع مذكر بصيغة الطلب، (فصلوا وادعوا) جمع مذكر بصيغة الطلب أيضا، إذا فما الذي اختلف هنا يا السادة؟!!!
طبعا سأحاول أن أجد لكم بعض المخارج:
المخرج الأول: أنكم أعجبتكم عولمة الفرح والسرور كما أعجبتكم خصخصة الخوف والذهول، أقصد أن دخول رمضان يمثل إيذانا بموسم الخيرات والبركات والطاعات وغفران الذنوب والعتق من النيران، وخروجه يمثل فرحا وسرورا وبهجة وجمالا، أما كسوف الشمس أو خسوف القمر فإنه يمثل الخوف والذهول، ولذلك مرة خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) كما في البخاري أيضا يجر إزاره إلى صلاة الكسوف. مما يدل على أن الأمر يتطلب السرعة والمبادرة واستدعاء الرأي العام والذهنية الجمعوية لتدارك الموقف واحتواؤه بذكر الله والصلاة والدعاء. وفي قوله  (فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلّوا )  ينبئ بأن الحادثة تحتاج إلى توبة وإرضاء الله وذكره كثيرا حتى يذهب الوضع وينصرف.
أقول: إنه وبالنظر إلى هذه الزاوية فأنتم تريدون أن يشترك المسلمون في الفرح والسرور جميعا ويستشعروا كلهم فرحة اليوم وغبطته، ويكون شعارا لوحدتهم وتلاقحهم. أما مناسبة الحزن والخوف فأردتم تحجيره وتضييق دائرته فلم يكن بودكم أن تعولموه وتكوكبوه.
المخرج الثاني: أنكم اعتبرتم عامل الوقت والزمن، وذلك أنه ولقصر عمر الكسوف والخسوف الذي قد لا يأخذ أحيانا أكثر من نصف ساعة أو ساعة أو أقل أو أكثر فإن الأمر يصعب تصديره وإعطاءه الطابع العالمي، فالأخبار مهما كانت متسارعة في يومنا هذا، ومع وجود الشبكة العنكبوتية والأقمار الصناعية فإنه يصعب رصد بداية الكسوف الحادث في القاهرة مثلا ووقت انجلاءه هناك من أهل الرياض وباريس وغيرها، فلو قلنا بعولمة الكسوف أو الخسوف لانكشف القمر دون أن يعرفه الآخرون في الأقطار الأخرى فيستمروا في الصلاة والدعاء مع أن الأمر قد انجلى في موقع الحدث، أما هلال شهر رمضان وخروجه فإنه يعتبر حادثا متعلقا بشهر كامل وبعبادة كاملة وبأمور جوهرية تأخذ حيزا كبيرا من الإستعداد ونشر المعلومات وتبادل الأخبار والإهتمام من جميع الشرائح. فقد اعتبرتم عامل الوقت والزمن هنا.
وقد يقول قائل بأن علماء الفلك في هذه الأيام يحددون بالضبط متى يبدأ الخسوف ومتى ينتهي، فلا يوجد مشكلة في معرفة وقت الصلاة وانتهاؤها في أي قطر في العالم، فأقول بأن هذا فيه صعوبة التوقيت ومعرفة تقاطع المواقيت وحساب الفروقات بينها مع الأقطار الأخرى. إضافة إلى أن الحسابات الفلكية على رغم دقتها فليست قطعية.
المخرج الثالث: أنكم راعيتم مبدأ رفع الحرج عن الأمة. وبيان ذلك أن صيام رمضان وخروجه متعلق بخروج الليل ودخول النهار في جميع الأقطار، فبالإجماع أنه لا يجوز ابتداء الصيام في لحظة رؤية الهلال، وإنما يبدأ الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بمعنى آخر أن رمضان لا يشكل حرجا للناس إذا قلنا أن يصوموا معا، لأن العبرة بخروج الليل ودخول النهار في كل قطر من أقطار العالم، فلو رأينا القمر في غانا مثلا فإنهم قد يبدؤون الصوم بعد عشر ساعات مثلا، وآخرون يبدؤونه بعد ثلاث عشرة ساعة، فالشروع المباشر في عبادة الصيام أو خروج شهر رمضان ليس متعلقا بنفس اللحظة التي يرى فيها الهلال، وإنما بتوقيت آخر وهو طلوع الفجر. وبهذا فإن القول بوحدة الصيام والإفطار في العالم كله لا يشكل حرجا ما دام هناك فجوة من الوقت يستطيع كل واحد فيها أن يجهز نفسه للعبادة واستقبال الشهر.
أما بالنسبة للكسوف والخسوف فإن الأمر متعلق بنفس لحظة الكسوف والخسوف، بمعنى أنه عندما يبدأ الخسوف في زيمبابوي بتمام الساعة العاشرة ليلا، فإن على مسلمي غواتيمالا أن يبدؤوا الصلاة في نفس اللحظة وإلا لفاتهم الوقت، فلو صلوا بعد خسوف زيمبابوي فإنه لا يعتبر صلاة خسوف، ولا يجوز لهم الإدعاء بأنهم يحاسبون فارق التوقيت بين البلدين. وعلى هذا يقع الحرج والمشقة عليهم، فوجب التفريق بين ما يجب في اللحظة وما يجب بعد فترات متفاوتة على حسب البلدان.

المخرج الرابع: لعلكم استحضرتم العالمية الذاتية في هلال رمضان والخصخصة الذاتية في الكسوف، بمعنى أنكم اعتبرتم أن الهلال يطلع في كل مطلع من مطالع القمر، وفي كل قطر من أقطار العالم وإن تفاوت وقت ظهوره ورؤيته في الساعات والأيام لكنه سيواصل طلوعه في الأقطار المختلفة تباعا وبالضرورة، أما الكسوف فليس له طابع عالمي ذاتي، بمعنى أن الكسوف قد يقع اليوم في غينيا وليس بالضرورة أن يقع بعد ذلك بساعات في ليبيا، وبعده بيوم في تركيا ثم بعده في الصين. فهو يأتي لقطر معين في فترة معينة ثم يغيب وينتهي. وما ليس له طابع عالمي في ذاته فليس جديرا أن يعطى طابعا عالميا في استقباله والترحيب به.
لا أدري هل تشفع لكم هذه المخارج يا السادة، فإن شفعت فالحمد لله، وإلا فإنه جهد المقل من تلميذكم  الذي لم يسره أن يراكم في موقف حرج كهذا!!!