Monday, August 11, 2014

من الذي يمثل الإسلام؟

 كثيرا ما يطرح سؤال في العالم الغربي والإسلامي على سواء، يتمثل في التالي: من الذي يمثل الإسلام؟
أهو منظمة التعاون الإسلامي؟ رابطة العالم الإسلامي؟ المجمعان الفقهيان التابعان لهما؟ الأزهر الشريف؟ هيئة كبار العلماء؟ المملكة العربية السعودية؟ إيران؟ القاعدة؟ المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية؟ الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟ داعش؟ والقائمة تطول وتطول.
وقبل الإجابة على هذا السؤال أوضح للجميع  أن هذا السؤال قد يلتبس عند كثير من اللذين يطرحونه بسؤال آخر مقارب، وهو: من الذي يمثل المسلمين؟
فعندي أن السؤالين مختلفين جوهريا، فالذي يمثل الإسلام ليس ضروويا أن يكون هو الممثل للمسلين، وفي هذه المقالة سأحاول الإجابة على السؤال الأول ثم أردفه بالجواب على السؤال الثاني في مقالة أخرى إن شاء الله.
وعليه أقول: إن الإسلام هو الشريعة التي أرادها الله لعباده في كل الأزمان والأماكن، من أول الخلق إلى آخرهم (إن الدين عند الله الإسلام) (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما)
وهذه الشريعة التي أرادها لعباده لا يمكنهم فهمها بواسطة الله مباشرة، فليس جميعم بالمستوى الذي يستحق مخاطبة الله لهم مباشرة؟ فالله أعز وأكبر والإنسان أضعف وأرقّ أن يتخاطبا مباشرة في هذه الحياة (وهذا طبعا باستثناء ما حصل لنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام).
وإذا كان ذلك كذلك فلا بد إذن من واسطة، يبلغ عن الله شريعته ويبينها لهم، وهذه الواسطة هم الرسل الذين استحقوا التلقي عن الله أحيانا بالمباشرة وتارة بواسطة أخرى بينهم وبين الله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) ( وكلم الله موسى تكليما)
إذن فالجواب عن سؤال من الذي يمثل الإسلام؟ يكون كالتالي: الممثل للإسلام هو كلمات الله التي أنزلها على عباده بواسطة الرسل، وكذلك تلك الرسل الذين بلغوها عن الله، فكلمات الله في (التوراة والإنجيل والقرآن وغيرها من الكتب) هي التي تمثل الإسلام حسب التسلسل الزمني التي أنزل فيها، ولا نحتاج إلى دليل لنبين أن كلمات الله هي التي تمثل الإسلام، لأننا إذا كنا لا نرى الله ولا يكلمنا نحن وليس بينه وبين أحد منا نسب ولا صلة، فإنه ولا شك تكون كلماته التي أنزلها على المصطفين منا هي التي تمثل إرادته التشريعية لنا تجاه دينه الذي اختاره لنا.
أما الدليل على أن الرسل هم أيضا ممثلون للإسلام كما هو الشأن في كلمات الله فهو كالتالي: إذا آمنا بأن الله هو الخالق، وأنه خلقنا لهدف معين ولخدمة معينة، ولا بد أن يبين لنا هذه الخدمة حتى نفهمه عنه، وقد عرفنا أنه لا يبين لنا هذه الخدمة عن طريق المخاطبة المباشرة لنا بل عن وسائط بيننا وبينه، ثم لم نر مخلوقات أخرى تبلّغ لنا هذه الشرائع بل رأينا بشرا من أمثالنا، قالوا لنا: بأن الله قد اختارهم وسطاء بيننا وبينه لتبليغ رسالته إلينا لبيان الهدف والخدمة التي  يجب أن نقوم بها، فرأينا هؤلاء الممثلون والسفراء والرسل أكمل الناس خلقا، وأداهم للأمانة، يدعون إلى مكارم الأخلاق وينهون عن سفاسفها، ورأيناهم  يبذلون في سبيل إبلاغ هذه الرسالة النفس والنفيس، يفرون من بلدانهم وأوطانهم وذويهم، إضافة إلى ذلك  كله جاؤوا بمعجزات يبرهن على صحة دعواتهم والتي تفرق بين دعواتهم ودعوة السحرة والمشعوذين والكذابين، فكان لا بد أن نصدقهم بأن ما أخبرونا بأنه كلام الله هو فعلا كلام الله.
وإذا كان الله لم يختر هؤلاء القوم إلا لنقاء قلوبهم واكتمال عقولهم وتمام أخلاقهم، وأنهم هم الأفضل والأجدر بتبليغ­ هذه الرسالة منا جميعا، فقد عرف الرب عز وجل أنهم لن يخونوا الرسالة ولن يغدروا، ولن يتنازلوا ولن يهابوا، ولن يخالف قولهم فعالهم، وإخبارهم مخبرهم، وسرهم علانيتهم، وأنهم سيطبقون هذه الشريعة كما أنزل وسيبلغوها كما أمروا، كان لا بد أن يكونوا هم ممثلون عن الإسلام أيضا كما هو الشأن في كلام الله التي أنزل إليهم، إذ كيف يصح في الأذهان أن يختار الله لإبلاغ رسالته من لا يوافي حقه ولا يناسب قدره؟!!!
وإذا سلمنا بهذه النتائج فلا بد أن يدخل عنصرا آخر في تمثيل الإسلام وهو: الأفعال والأقوال العبادية والتشريعية من الرسل والأنبياء، أقصد أحاديث الرسل وأقوالهم، وهذا برهانه أننا إذا آمنا بمهمة الأنبياء وأنهم هم الأكمل والأفضل والأعلى بين البشر وأنهم لا يمكن أن يغدروا أو يخونوا ويعصوا ويستمروا في الكبائر أو يصروا على صغائر أو يقروا على خطأ بدون بيان من الوحي، فإذا آمنا بهذه كلها كان لا بد من الإيمان بأن ما ثبت من أقوال هؤلاء القوم وأفعالهم وتقريراتهم التي ليست جبلية أو عادة من العادات الإجتماعية المحضة أنها تمثل الإسلام.
إذا إلى هنا قد اتضح لنا أن البرهان والدليل القطعي يدل على أن هناك ثلاثة ممثلين للإسلام: كلمات الله، رسل الله، أفعال الرسل وأقوالهم التشريعية.
 فيبقي السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا الجواب: لقد عرفنا أن كلمات الله والرسل وأقوالهم وأفعالهم هي الممثلة للإسلام، ولكن لم يعد للرسل وجودـ والقرآن موجود بين دفتي المصحف ولا يستطيع أن يبين لنا بنفسه ماذا أراد الله بهذه الآية وذلك الحكم وهكذا، وحتى لو كانت السنن النبوية وأقواله وأفعاله خير معين لهذا لكن يبقى أن المنقول منه مغشوش بالضعيف والموضوع، وحتى لو صح فقد لا نجزم بالمراد منه  وبتأويله، إذا فمن الذي سيمثل الإسلام بعد الرسل؟؟
نقول جوابا على هذا السؤال: إن الذي يمثل الإسلام بعد الرسل هم العلماء، وهذا على لسان آخر رسل الله محمد (صلى الله عليه وسلم) حيث قال: (العلماء ورثة الأنبياء)
ومن هنا سينبرى لنا المستمع أو القارئ الكريم ويقول: رويدك يا أخوي، أليست هذه هي المشكلة منذ بداية النقاش، أليست هذه هي جذور المشكلة، فعندما تقول بأن العلماء هم الذين يمثلون الإسلام، فمن هؤلاء العلماء؟ هل هم علماء الحديث أو الفقه أو الأصول أو اللغة، أهم علماء المملكة العربية السعودية أو مصر أو المغرب أو الشام؟ أم هم علماء السلفية، الأشاعرة ، المعتزلة والصوفية؟ أهم علماء القاعدة والإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ومنظة التعاون الإسلامي والأزهر الشريف؟ أم هم متمثلون في القرضاوي  وعلي جمعة وابن ابن باز وأسامة بن لادن ومفتي بوكو حرام؟
فالجواب كالآتي: قطعا هؤلاء العلماء بأسمائهم وأفرادهم ومؤسساتهم لا يمثلون الإسلام، فهم لم يتحدثوا مع الله لا بوحي ولا من وراء حجاب ولا حتى بواسطة جبريل وإنما استمعوا وقرؤوا وحفظوا وتعلموا ما جاء به الرسل عن الله وما وصلهم من أقوال تلك الرسل وأقوالهم، فإن اكتفوا بحفظ هذه الأشياء في صدورهم وقلوبهم أو دونوها في كتبهم ودفاترهم فلا يكون ما جمعوها أكثر مما جاء به الرسل، فليس هناك زيادة، إذ إنهم لم يفعلوا شيئا آخر وإنما اكتفوا بحفظ ما جاء به الرسل.
أما إذا اجتهدوا في فهم ما جاء به الرسل من كلمات الله، وكذلك اجتهدوا في تصحيح وتضعيف ما جاء عن الرسل واجتهدوا في فهم حكمها وإزالة ملابساتها والترجيح بينها، ثم اجتهدوا في إنزالها على الواقع وربطه به، فإنه لا شك أنهم معرضون للخطأ هنا،بل ليس الخطأ فحسب، بل لا نعرف على وجه القطع درجة إخلاصهم وبعدهم عن الشيطان، وعدم اتباع بعضهم للهوى وطلب إرضاء الناس على مرضاة الله، وكذلك لا نعرف المصالح الخفية أو التهديدات المبطنة أو الحالات النفسية والإجتماعية التي قد تحيد بالعالم عن الحق ويميل عنه بقصد أو دون قصد.
وإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن أن نحكم لشخص من الأشخاص أو جماعة من الجماعات أو مؤسسة من المؤسسات أو دولة من الدول أنها تمثل الإسلام، بل إن هؤلاء جميعا يمثلون فهمهم للإسلام الذي قد يصيب تارة ويخفق أخرى، ولكنهم لا يمثلون الإسلام الذي هو دين الله.
وهنا يرد السؤال الآتي من القارئ الكريم،  إذا لماذا قلت في أعلاه بأن العلماء هم ممثلوا الإسلام اليوم، واستدللت بالحديث النبوي (العلماء ورثة الأنبياء)؟
فالجواب أننا نرى أن العلماء يمثلون الإسلام بالنظر إلى جميعهم ومجموعهم، أي أن مجموع العلماء في عصر من العصور هم الممثلون للإسلام، وليس فردا من أفرادهم وإنما جميعهم ومجموعهم، فبجميعم يحفظ هذا الدين، وبجميعهم تتواصل الدعوة الإسلامية حركتها، وبجميعهم تتحقق الوعد ((لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الدِّينُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ ، عِزٌّ يُعِزُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الإِسْلامَ ، أَوْ ذُلٌّ يُذِلُّ بِهِ الْكُفْرَ)) وأخيرا بجميعهم يحفظ مجموع المسائل الإجماعية أو المعروفة من الدين بالضرورة والتي أجمعت عليها الأمة كلها من بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى يومنا هذا، فبواسطتهم يحتفظ بهذه الإجماعات الثابتة الضرورية، فهذه الكليات الدينية والثوابت القطعية كالقرآن ومحمد والكعبة والصلوات الخمس والحج ورمضان والزكاة والفهم الأولي للجهاد وتحريم الربا وغيرها من الأصول الثابتة الضرورية هي التي من خلالها يمثل مجموع العلماء الإسلام، لأنهم هم الذين يضخون فيها الحركة ويذبون عن حياضها ويحافظون على تذكير الناس بها، وعقد الدروس والمحاضرات ودعوة الناس إليها، وبهذه المسائل يكونون ممثلين للإسلام لأنهم هم المتحدثون باسم هذه الأشياء.
أما ما عدا هذا من اجتهادات أفراد الفقهاء والعلماء في القضايا العبادية المحضة، والبرامج السياسية والجهادية والمشروعات الإقتصادية والبنكية والعلمية والميولات الفكرية والعقائدية وغيرها فإن هذه الأشياء كلها لا تمثل الإسلام، وإنما يمثل فهم هؤلاء للإسلام، وأكثرهم مثابون بأجر فيما أخطؤوا فيه وبأجرين فيما أصابوا فيه، وبهذا الجواب التفصيلي نحقق الكلام في هذه المسألة إن شاء الله.


Sunday, August 10, 2014

القضية ليست هي (ايبولا Ebola)


قبل أسابيع  كنت أستمع إلى أحد الصحافيين الغانيين، وقد سألوه ماذا ينبغي أن تفعله غانا في غضون هذه الأشهر للوقاية من ايبولا؟
فأجاب بنكتة: يجب أن نخرج نحن المواطنون إلى الحدود ونقيم مصليات ومخيمات ونرفع أكفنا ونصلى وندعو الله حتى لا يصلنا هذا المرض. فصدم المخرج، وقال: تقصد مصليات في الحدود؟ قال نعم بالضبط. فانفجر جميع ضيوف البرنامج في الضحك.
إن الصحافي الغاني أوصل رسالته بطريقة رائعة وفكاهية  ولكنها رسالة تصب في عمق المشكلة، فالصحافي بكل بساطة يريد أن يقول بأننا في أفريقيا لم نعتني بالأسباب والوقايات والمزوّدات اللازمة لصد هذه الأوبئة والأمراض، وبالتالي لم يبق لنا إلا اللجوء للتضرع والصلاة لينقذنا رب القدر من هذه الموبقات.
هنا حقيقة طبية نتجاهلها في أفريقيا، وهي أن المشكلة ليست هي حصول الأمراض، فالأمراض قد تقع مهما وصل العلم البشري، ومهما تطور التكنلوجيا والمعدات الطبية ووفرنا طواقم طبية من الطراز الأول، ولكن المشكلة الحقيقية هي فقدان المناعة ضد الأمراض.
ودعوني أوضح هذه النقطة بجلاء: من الواضح أنه لكي يحمي أي فرد نفسه وأسرته أو تحصن أي دولة  مواطنيها من الأمراض أو تخفف وطئتها عنهم، فإنه يجب أن تتوافر المناعتان: المناعة الداخلية والمناعة الخارجية.
فالمناعة الداخلية: هي من العطايات الربانية الممنوحة للبشر، فهي التي تقاوم الأمراض داخل أجسامنا وتحاربها، وبدونها فإن أجسامنا لن تقوى على صد أي مرض مهما كانت ضعفه وقلة خطورته.
أما المناعة الخارجية: فهي موجودة خارج أجسامنا، ويمكن توافرها عن طريق إعتناءنا بالبيئة المحيطة بنا من المياه النظيفة والهواء النقي ، وكذلك عن طريق الإجراءات والقوانين والخدمات والبنى التحتية التي توفرها الحكومات لخلق بيئة طبية ملائمة لصحة المواطنين وسلامتهم وحمايتهم من الأمراض.
وهنا سأهتم بالحديث عن مستوى المناعة الخارجية على مستوى أفريقيا، لأن من الواضح أن سلامة وقوة وحيوية المناعة الداخلية تكون نتيجة لتوافر المناعة الخارجية، فالمناعة الداخلية تتقوى وتزدهر عندما تتوافر بيئة صحية نظيفة للإنسان،  زد على ذلك أن بعض الفيروسات تستطيع أن تجد طريقها داخل الجسم وتتجنب المصادمة مع الجهاز المناعي الداخلي، وبالتالي فليس هناك طريقة لحماية الجسم من هذه الفيروسات إلا عن طريق المناعة الخارجية.
وحينما ننظر إلى واقع المياه المشروبة في أفريقيا نجد أن أغلبها ليست على المستوى المطلوب من ناحية المعايير الطبية والصحية الملائمة، ولا يخفى على أحد ما يتسبب فيه فقدان المياه النظيفة من الأمراض الفتاكة من الملاريا والتيفوئيد والكوليرا والتراخوما وغيرها. وتقول الإحصائيات أنه في كل سنة يموت ما يزيد على مليوني شخص جراء استعمال المياة غير ملائمة، وأن 50%  من المرضى الملازمين للفراش في المستشفيات هم من ضحايا الأمراض الناتجة عن هذه المياه.
أما من ناحية الهواء الملوث فإن منظمة الصحة العالمية تقول بأنه في عام 2012م لاقى نحو  600.000 من الأفارقة حتفهم جراء الهواء الملوث، وتقول المنظمة أن أفريقيا هي ثالث أكبر منطقة تعاني من الهواء الملوث في العالم.
لقد مضى على استقلالنا أكثر من نصف قرن، وخلالها لم تهتم حكوماتنا وقياداتنا بالبنى التحتية الصحية بما فيه الكفاية، ولم نوفر من رأس المال البشري ما يسعفنا لحماية الأسر والنساء والأطفال من الأمراض الفتاكة التي تنجم عن استخدام هذه المياه والهواء الملوث.
إن أمراضا كإيبولا لا تقاومه المليونات التي تنفقه الحكومات صبيحة سماعهم بخبر وصول المرض في عقر دارهم، ولا توقفه الصيحات وإعلان حالات الطوارئ المفاجئة التي تتخذها الحكومات المعنية بعد أن فات الأوان، ولات حين مناص.
بل إن مثل هذه الأمراض تقاوم بالوقاية والأنظمة والإجراءات والأجهزة والبنى التحتية الصحية التي تكون جاهزة وفعالة لسنوات طويلة قبل حدوث مثل هذه الأمراض، وإن شئت فقل أنها تقاوم ب (الضربات الإستباقية) على قاعدة جورج بوش.
الأفارقة سيبقون ضحية كبيرة لمثل هذه الأمراض ما لم نقم بتنظيف شوارعنا وحماماتنا وأسواقنا وبيوتنا من الأوبئة والأوساخ، وما لم تعمل أنظمتنا ومناهجنا الدراسية على تخريج كوادر طبية، وما لم نعالج العجز الموجود في عدد المستشفيات والمصحات والممرضات والأدوية المشروعة، وما لم تكن هناك برامج تعليمية شاملة وورشات عمل ودورات وحلقات تلفزيونية وإذاعية وجمعيات ومنظمات خيرية متطوعة تقوم بتوعية المواطنين وتثقيفهم بالمتطلبات الصحية وتعليمهم بما يجب أن يقوموا به نحو البيئة وكيف يحمون أنفسهم ويتخذون الطرق الوقائية اللازمة للحيلولة دون الوقوع في أخطاء صحية فادحة.

 فالوقاية خير من العلاج.


Friday, July 25, 2014

هكذا حدثتي صفحتي

عندما أفتح صفحتي فيسبوكية، تتغير أحاسيسي ومشاعري في كل لحظة، لحظة أمرّ بكلام جميل من عاقل لبيب، ومرة بكلام ساقط من غبي بليد، ومرة بصورة جميلة تسر الناظرين، ومرة بصورة قبيحة تسودّ منها الوجوه، ومرة بخبر مبك، وأخرى بخبر مفرح. 

ولا أزال أستمر في سحب الماوس إلى الأسفل فأرى رجلا أختلف معه في الرأي كليا وآخر أتفق معه تماما وثالثا أتفاهم معه جزئيا، وأستمر فأرى شخصا يلعن رجلا أحبه، وآخر يمدحه حتى يكاد يؤلهّه، ثم أرى خبرا عن السياسة ورجالات السلطة فأجد زميلا يعارض وآخر يؤيد.
وحينما أصل إلى منشورات لمشاهير أجد لأحدهم ثلاثة آلاف اعجاب في عشر دقائق، ثم أر منشورا رائعا لواحد مغمور فلا أر له إلا عشرة إعجابات، مع أن منشور المغمور قد يكون أجمل من منشور المشهور.
وحينما أستمر في السحب والإنزال، أرى أن فلانا ينشر آيات قرآنية وآخر يبث آيات شيطانية، وأجد فلانة لا تتورع عن نشر صورها الخليعة الماجنة مع أن أخرى لا تنشر حتى صورتها المحتشمة المحجبة، وثالثة تنشر صورها مع خمارها وثوبها المحتشم، فأستمر فأجد صورة زميل قديم في الطفولة وآخر تعرفت عليه حديثا، ويكون بين هذا وذاك كيلو مترات وآلاف من الأميال، ولكن يجمعهما لي في لحظة واحدة صفحتي فيسبوكية.
وعندما أكتب منشورا أجد فلانا يمدح بإطلاق وفلانا ينتقد بإطلاق، وآخر يرى بعضه ولا يروق له آخر، وفلانا يرى أنه لا يحتاج إلى قراءته وفلانا يقرأ ولا يعلق، وفلانا قد يشجع ويرى أن أمثالي من الشباب يحتاجون إلى التشجيع، وفلانا قد يرى أن أمثالي من المتعالمين الذين لا يجوز تشجيعهم ومدحهم حتى لا يغتروا.
حقا إن صفحتي تؤكد لي دائما أن الله خلقنا مختلفين، ونحيا مختلفين، وسنموت مختلفين (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم.

Tuesday, July 15, 2014

كيف يمكن أن تلتحق الأمة المتخلفة بالأمة المتقدمة؟

يحاول المتخلفون من الأمم والجماعات والشركات والدول والأشخاص الإلتحاق بالمتقدمين، وفي هذه الأسطر القادمة سأحاول أن أنظّر كيف يمكن للمتخلف أن يلتحق بالمتقدم، بل كيف يمكن أن يجاوزه ويخلق بينهما مسافات طويلة.  ومع أنني ركزت على الأمة الإسلامية في آخر المقالة إلا أن هذا التنظير أو هذه الطريقة تنطبق على الشركات والبنوك والدول والأنظمة والأفراد العاديين.
في الحقيقة هناك طريقان فقط للمتخلف للإلتحاق بالمتقدم، إما أن يتبع نفس الطريق الذي سلكه المتقدم ليلتحق به، أو يبدع فيشق طريقا آخر، وبالمقارنة بين الطريقين نصل إلى النتيجية التالية:

أولا: سلوك نفس الطريق الذي سلكه المتقدم
إن هذا الطريق قد يبدو أنه الأريح والأسهل والأوضح، ولكن في نظرنا  طريق محفوف بمخاطر كبيرة، بل إن الإحتمال الكبير أن المتخلف قد لا يصل إلى المتقدم أبدا إذا استمر في اتباع هذا النهج، وذلك للأسباب التالية:
 أن المتخلف قد لا يتوافر عنده نفس العتاد والمعدات والأجهزة والمكونات والطاقة والجهد والذكاء الذي كان متوفرا عند  المتقدم، وبالتالي فإن الأمر يكون شاقا وعسيرا وقد لا يصل إلى النهاية.
أو قد تكون المعدات والطاقة والجهد متوفرا ولكن المتقدم قد يقوم بسد الطريق حتى لا يلتحق به المتخلف، وبالتالي فإن المتقدم سيبني منظومة فكرية وسياسية وعلمية وامبرالية تهدم كل محاولات اللإلتحاق الذي يقوم به المتخلف للوصول لنفس الهدف.
 وقد يكون الطريق ممهدا بالورود والأزهار ولكنه طريق قد يصطدم مع مبادئ أخرى عند المتخلف، وهذه المبادئ قد تكون دينية أو ثقافية أو اجتماعية وغيرها وبالتالي فيكون له خياران:
التخلي عن دينه وهويته اللغوية والثقافية الإجتماعية الأخرى، أو سلوك الطريق لكن عندما يصل يجد أنه قد تخلى عن كل شيئ إلا سلوك الطريق وبالتالي فعندما يصل يكون عارا عن كل شيئ إلا مبادئ المتقدم وفلسفته وعقليته وبالتالي فإنه لم يصبح شيئا بذاته وإنما فقط نسخة طبق المتقدم.

وأخيرا فإن الذي يلتحق بنفس الطريق قد لا يصل إلى المتقدم أبدا، إلا إذا توقف المتقدم عن المشي والإستمرار، أما في حين استمراره في ايدلوجياته ونظرياته وتمهيده للطريق الممتدة فإن المتخلف لن يصل إليه، لأنه بقدر ما يقطع المتخلف من مسافات للحوق بالمتقدم بقدر ما يقطع المتقدم من مسافات للوصول إلى مرحلة متقدمة، وهذا ببساطة يعني بقاء المتخلف متخلفا والمتقدم متقدما.

ثانيا: اختراع طريق جديد للإلتحاق بالمتقدم
وهذا الطريق قد يبدو صعبا ووعرا ومليئا بالتحديات والعراقيل، ولكننا نرى أنه الطريق الوحيد الذي يضمن للمتخلق للحوق بالمتقدم، وذلك لأسباب التالية:
منها الإضطراب والقلق والزعزة التي تصيب المتقدم أمام هذه الطريقة الجديدة لأنه لم يجربها ولم بختبرها ولم يعرف عنها من قبل، وبالتالي فإن الأسلحة والمعدات التي يضعها أمام فشل هذا الطريق ستبوء عاجلا أو آجلا بالفشل.
ومنها الإستقلالية والحرية وعلو الذات والثقة بالنفس التي ستمتلأ بها نفس المتخلف عندما يبدأ في طريقه الجديد للحوق بالمتقدم، فهذا الطريق طريقه فهو ليس مقلدا فيه بل هو مبدع مخترع.
وكذلك فإن هذا الطريق أضمن للمتخلف للحوق بالمتقدم، لأنه قد يكون أقصر للوصول إلى الهدف وبالتالي فقد يسبق المتخلف المتقدم للوصول إليه،  ومثال ذلك إذا كان شخص قدا اعتاد السفر من كوناكري إلى مالي عن طريق ساحل العاج مثلا، ولم تقلده بل اجتهدت فاخترعت طريقا آخر من غينيا إلى مالي مباشرة فقد تصل قبله، مع أنه خرج قبلك.
ومنها أن هذا الطريق يسلكه المتخلف مع إحتفاظه بمبادئه وهوياته وثقافته، فهو قبل أن يسلك الطريق يحاول سلوك الطريق الذي لا يستدعي انسلاخه من دينه وأفكاره ومعتقداته وايدوجياته وبالتالي فحينما يصل إلى الهدف يصل فعلا وهو نفس الشخص ونفس الشخصية دون أن يصبح نسخة طبق المتقدم، فالذي سيتغير فقط هو انتقاله من كونه متخلفا إلى كونه متقدما حقيقة.
ومنها أنه حتى في الوقت الذي لم يلتحق فيه المتخلف بالمتقدم ولكنه يحاول شق طريقه الجديد فإن المتقدم سيبقى محترما له خائفا منه متحيرا أمامه، وسيعرف أن هذا المنافس شرس مقدام ولوج، ولا يستبعد أنه سيصل إليه يوما من الأيام.
ومنها أن هذا الطريق قد يكون أرخص اقتصاديا وغير مكلف من الناحية المادية كثيرا، فالمتخلف عندما يخترع طريقه الجديد فإنه يقدر حجم قدراته المادية والإقتصادية ولا يحتاج إلى واسطات وبضائع تقليدية وسماسرة من جماعة المتقدمين، بل هذا الطريق بديع وجميل وجديد وبالتالي قد يكون أرخص بكثير.

بيت القصيد
وفي الحقيقة فاختراع طريق جديد للحوق بالمتقدم والمنافس والخصم قد يبدو صعبا ومكلفا، وقد يحتاج إلى عقول وعباقرة أفذاذ، ويحتاج إلى صبر وتفان وحلم وجهاد، ويحتاج إلى تشجيع وتنظيم واستمرارية، ولهذا كله فإن هناك أشخاصا وشركات ودول وجماعات وأنظمة وأمما لم تستطيعوا توافر هذه الشروط  ففضلوا الطريق الأول فبقوا متخلفين ساقطين منهارين، وهكذا لن تقوم لهم قائمة ولن تربح لهم تجارة و لن تنهض لهم دولة.

وبسبب صعوبة هذا الطريق وخطورة سلوكه فإن الله لم يترك الأمة الإسلامية والمحمدية هكذا بدون أن يخطط لهم هذا الطريق ويرشدهم إليه ويبينه لهم، فقد رسم الرب عز وجل قواعده وضوابطه ومعالمه، وبين أصوله وأركانه وزواياه، فبقي على الأمة أخذ المعدات والتجهيزات ثم البدء في سلوك الطريق الواضح البين، وهو الطريق الأقصر والأضمن والأثبت والأقوى، فبسلوك هذا الطريق فإن الأمة لن تلحق بالمتقدمين فقط بل ستتجاوزهم  بآلاف كيلو مترات بل مليون أميال.
قال تعالى : ( وأن هذا طراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)  ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض...)  ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) ( لن يضروكم إلا أذى)

ملاحظة أخيرة:

نحن عندما ندعو إلى اختراع طريق جديد للإلتحاق، فلا يعني هذا بحال من الأحوال أننا نرفض الإستعانة ببعض المعدات والأجهزة والآليات والآلات والوسائل التي استخدمها المتقدم، ولكننا نرفض جملة وتفصيلا بناء تنافسنا ولحوقنا على نفس المبادئ والأصول والأركان والمعتقدات والفلسفات والأيدلوجيات التي بنى عليها الفريق المتقدم مسيرته ورحلته، لأن هذا معناه أننا لن نصل أبدا، أو نصل عراة حفاة منسخلين.

Friday, July 4, 2014

لا تحكم على الناس بمظاهرهم فقط


 
قبل شهور رأيت شخصا يحاول ارتكاب معصية كانت غاية في الشناعة والقبح فاشمأززت من الرجل وأصبحت أحمل عنه طابع الفسق والمجون، وللمفاجأة رأيت نفس الشخص اليوم وهو يقوم بالتصدق على مسكين غريب في مكان منعزل بمبلغ ثمين، وقد أعطاه إياه ثم أعرض عنه بسرعة حتى لا يراه الناس بأنه يقوم بمثل هذا المعروف، فتذكرت ساعتها قول النبي (صلى الله عليه وسلم) ( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)
وذات يوم صليت خلف إمام في احدى المصليات المكتظة بالتجار والبائعين، فصلى بنا رجل في سكينة ووقار، وقراءته كانت غاية في روعة الصوت وجماله، وكمال الأداء وإتقانه، لا يبخس الركوع حقه ولا السجود مكياله  ولا التحيات ميزانها، فلما انصرفنا من الصلاة وكنت أتجول في السوق التقيت به في المصعد فسألته متعجبا هل أنت الذي صليت بنا المغرب، قال: نعم. والسبب من السؤال هو:
أن الرجل لم يكن واضحا من مظهره أنه من أهل الصلاة، فضلا من كونه يتقن الفاتحة فضلا  أنه من أهل إقامة الصلاة الذين يؤدونها في سكينة ووقار ووفاء بحق القراءة والتجويد.
وأتذكر جيدا أنه في السنوات الأولى من مجيئي إلى ماليزيا  جمعني وشخص حق الجوار في السكن، كانت غرفته ملاصقة لغرفتي، الرجل كان سكيتا، لا يختلط بالناس كثيرا وقلما تراه في الصفوف الأمامية في المساجد، أو تراه في الأنشطة الدعوية، بل لعل بعض من يراه  قد يعتقد من مظهره أنه إلى أهل الشر أقرب منهم إلى أهل الخير. ولكن لما سكنت بجوار الرجل لا أتذكر أنه مضت ليلة واحدة وإلا وأسمع الأنين والتضرع والصلاة والتهجد في غرفته، يستيقظ غالبا من الساعة الرابعة فيواصل الصلاة والدعاة والتضرع إلى الله إلى الساعة السادسة والنصف حيث يخرج لصلاة الفجر في المصلى المجاور.
إن الحقيقة هي أننا لا نعرف حقائق بعضنا بعضا، والحقيقة أيضا أن أهل الجنة سيتفاجؤون بوجود أشخاص معهم لم يكن يخطر على بالهم أنهم سيجاورونهم هناك لما كانوا يرون عليهم من مظاهر الشر والإبتعاد عن الطاعة، مع أن هؤلاء قد تكون هناك أمور أخرى بينهم وبين الله، لم يطلع عليها أحد، وعندما نقرأ عن المرأة التي دخلت الجنة في كلب، والرجل المجاهد الذي دخل النار للغلول في المغانم، فإننا سنعرف حتما أن هناك مفاجآت كثيرة تتنظر البشرية في يوم الميعاد.

فنسألة الله أن يصلحنا لأيامنا، ويجعلنا ممن يحسن الظن بإخوانه المسلمين. آمين.

Wednesday, July 2, 2014

خواطر قرآنية رمضانية (3) تفكيك الإستراتجية القتالية في آية (إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين) (بل ألقو)



لقد قرأت آيات المناورات بين موسى عليه السلام والسحرة وتوقفت عند الإستراتيجيات القتالية التي استخدمها كل واحد منهم تجاه الآخر.
ومن سيناريوهات هذه المناورات التي سيطرت على انتباهي والتي توقفت عندها لأكشف غوامضها وأقف على مكنوناتها، هذا السيناريو المتمثل في قول السحرة لموسى ( إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين) وإجابة موسى لهم (بل ألقوا)
الطرح التساؤلي الذي شوش على عقلي يتمثل في الإستفهام التالي:
لماذا اتسم خطاب السحرة هنا بالتواضع والديمقرطية وإسداء حرية الإختيار لموسى، ولم يختاروا ولم يستبدوا بالموقف فيما إذا كانوا هم سيكونون أول الملقين أو آخرهم؟
ولماذا اختار نبي الله موسى أن يكون هو آخر الملقين؟

في الحقيقة لم أجد وقتا للرجوع إلى كتب التفاسير لأقف على ما قاله الجهابذة في تفكيك حيثيات هذا السيناريو،ولعل بعض القراء سيملؤون لي هذا الفراغ.
ولكن- على حال- دعوني أجود بما قالته لي قريحتي:
هناك ثلاثة تحيليلات لتفسير موقف السحرة وديقراطيتهم، وتحليلين لتفسير موقف نبي الله موسى عليه السلام.
أما الثلاثة التي تتعلق بموقف السحرة من إعطائهم الخيار لموسى فهي كالتالي:
الأول: أن المتكبر عندما تملؤه الغطرسة والعنجهية فإنه يتغافل عن الإستراتيجيات ولا يبالي إذا كان هو الأول في السباق أو الأخير، وبالتالي يتساوى عنده الأمرين، ويعتقد أن خصمه المسكين هو الذي يهتم  أن يكون الأول أو الأخير لأنه أضعف منه بكثير، وبالتالي فلا يهمه أن يعطيه الخيار ليختار أحد الأمرين.
وهذا ما قام به السحرة، فالغطرسة كانت قد امتلأتهم، فأعطوا الخيار لموسى ( المسكين) على حد ظنهم الخرافي.
الثاني: أن الأمر قد يكون على عكس الأول، وهو أن السحرة كانت عندهم بقية من الأخلاقيات الإنسانية، وأنهم على رغم كونهم مشركين وسحرة إلا أن بقية الفطرة والأخلاق الإنسانية التي قد توجد عند كل إنسان على مستويات مختلفة حمتلهم على أن يعطوا الخيار لموسى ليختار أن يكون الأول أو الأخير، فموسى هو الذي جاء عندهم وليس معه إلا أخوه، أما هم فقد كانوا أصحاب الدولة والسيادة وأصحاب فرعون، فمن هنا يرون أن يتعاملوا مع موسى على أن السباق ليس فيه أفضلية من هذا الباب، وأنه إذا يريد أن يكون هو الأول أو الأخير فله الخيار في ذلك، فهم متساوون معه في الحلبة، والغلبة سيكون للأقوى.
الثالث: أن الأمر قد يكون من ضروب السيناريوهات الحربية التي تستهدف زرع الخوف والرعب والزعزعة في قلوب الخصوم، فقد ظن السحرة أن إعطاء الخيار لموسى ليكون الأول أو الأخير سيزعزع الثقة واليقين الذي يتمتع به موسى.
بمعنى آخر، عندما تكون في سباق أو خصومة مع شخص، وتظاهرت بثقة فائقة ويقين تام وأنك المنتصر والفائز، وتظاهرت بأنك لا تبالي بالتكتيكات والسيناريوهات الحربية لأنه أضعف بكثير من أن تحتاج إلى كل هذا،  فإن خصمك إذا كان من أصحاب النفوس الضعيفة فإنه سيخاف ويقلق وسيعتقد أن الأمر أكبر من حجمه وأن الخطر محدق به من كل جانب.
ويحتمل أن يكون هذا مما كان السحرة يرمون إليه ، وكأنهم يقولون لموسى عليه الصلاة والسلام، نحن سننتصر سواء كنا أول الملقين أو آخرهم وبالتالي فعليك أن تختار أحدهما، لأنهما سواء عندنا.

أما ما يتعلق باختيار نبي الله موسى ليكون هو الأخير وليس الأول، فإنه قد يحلل في ضوء تفسيرين:
الأول: أنه التواضع، لأنهم ما داموا قد أعطوه هذا الخيار فإنه يحترمهم ويعطيهم الأسبقية والتقدم لبداية المشوار، وكأنه يقول لهم ( ما فيه مشكلة يا قوم. تقدموا، ابدؤوا أنتم، أنا سأكون الأخير)
الثاني: أنه سيناريو من سيناريوهات الحرب حتى يكون الوقع أكثر مفاجأة وأكثر إيلاما لفرعون والسحرة.
وبيان ذلك أنه عندما يكون هناك سباق بين رجلين أو طائفتين، وقام الأول بإطلاق عملياته وانبهر الجميع بذلك، ثم جاء الثاني وتفوق عليه وأظهر أعجوبة أكثر مما قام به الأول، فإن نشوة الفرح وانبهار الجمهور يكون أعلى وأقوى وأكثر فاعلية، أما إذا تقدم الأقوى وتأخر الضعيف فإن ملامع وملامح الإنتصار تفقد شيئا من بريقه وحيويته.
ولهذا لما كان نبي الله موسى عليه السلام واثقا ومتيقنا من الإنتصار الرباني له، اختار أن يكون هو الأخير وليس الأول، وذلك مراعاة لهذه الإستراتيجية القتالية الرائعة.