Thursday, November 14, 2013

إزالة الإشكالية عن أحاديث عاشوراء

قال صاحبي على صفحتي فيسبوكية بأنه يرى تعارضا بين أحاديث عاشوراء، وقال موضحا لأحد أوجه هذا التعارض:
"متى أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بصيام عاشوراء؟ فالظاهر –لدي- من رواية ابن عباس "لما قدم المدينة وجد اليهود..." انها في السنة الأولى، بينما الرواية الأخرى "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع..." تدل أنها في السنة الأخيرة حيث لم يدركه النبي (صلى الله عليه وسلم) أي بعد أن أجلى اليهود من المدينة بسنوات"
  ثم قال صاحبي متسائلا باستنكار: "يا ليت  علمي أ وافقهم في الصوم لما كانوا حاضرين معه في المدينة وبعد إجلائهم نوى مخالفتهم بصوم التاسع والعاشر؟!!!
وأنا هنا أحاول بيان عدم التعارض بين الحديثين سائلا الله التوفيق والسداد، فأقول:
إن الحديثين اللذان أشار إليهما صاحبي مرويان من صحابي واحد، وهو ابن عباس رضي الله عنه، وسأورد الحديثين بلفظهما ثم أجيب على التعارض المذكور.
الحديث الأول:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» ، قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» ، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ" البخاري 3/44  دار طوق النجاة، الطبعة الأولى.
الحديث الثاني:  
 عن غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ» قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" صحيح مسلم 2/797. دار إحياء التراث العربي. تحقيق فؤاد عبد الباقي.

تحليل الحديثين والإجابة على الإشكالية
غالبا عندما نريد الإجابة على الإشكاليات، فنجد أن النظر في ثنايا النص والتدقيق في ألفاظه ومقارنة الروايات بعضها ببعض تحمل في طياتها حلا للإشكالية المطروحة، فدعونا نطبق هذه الفرضية على هذين الحديثين.
إن الحديث الأول الذي ورد فيه  (فوجد اليهود يصومون...) ذكر فيه ابن عباس أن السائل هو النبي (صلى الله عليه وسلم) والمجيبون هم اليهود، وهذا واضح في جميع الروايات المختلفة للحديث، فالسائل كان هو النبي والمجيبون هم اليهود.
أما الحديث الثاني (فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ) فذكر فيه ابن عباس أن السائلين والمستفسرين هم الصحابة والمجيب هو النبي (صلى الله عليه وسلم)
إذا ماذا يقول لنا اختلاف السائل والمجيب في الحديثين؟ لماذا النبي في الحديث الأول هو السائل واليهود هم المجيبون، ولماذا النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الثاني هو المسؤول والصحابة هم السائلون؟ إن الجواب على هذا السؤال هو الجواب على الإشكالية، والجواب على السؤال كالتالي:
 إن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما سأل اليهود وبينوا له السبب، ثم أمر النبي بعد ذلك بصيام عاشوراء، كان الأمر طبييعا بالنسبة للصحابة، فالأمر كان في بداية الهجرة وفي السنة الأولى منها، واليهود لم ينقضوا العهد بعد، ولم يجلوا من المدينة ولم يصبح بينهم وبين المسلمين حروبا طاحنة، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) في تلك الفترة يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيئ كما جاء ذلك في البخاري، إذا الأمر في هذه اللحظة لم يثر قلق الصحابة ولا تساؤلاتهم الكثيرة ولم يروا فيه تناقضا بين المنهج النبوي الذي اتبعه بعد ذلك في المخالفة الكثيرة لأهل الكتاب، ولذلك نجد أنه في هذه المراحل كان صيام عاشوراء العاشر فقط ولم يتحدث النبي (صلى الله عليه وسلم) عن التاسوعاء،  ولكن بعد فرض رمضان وطرد اليهود من المدينة، وحصول الحروب، وأصبح النبي (صلى الله عليه وسلم) يحب مخالفة أهل الكتاب، وصار هناك أحاديث كثيرة في التحذير من اتباعهم، وأمر بمخالفتهم في أشياء كثيرة، وعرف الصحابة ذلك عنه وقدعرفوا أيضا العداوة الشديدة لليهود تجاه المسلمين، فمن هناك جاء الصحابة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقالوا: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ)
فقول الصحابة للنبي (صلى الله عليه وسلم) (إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى) لا شك أن هذا من باب الإلحاح والإخبار المصاحب بالقلق وعدم الإرتياح وإظهار لرغبتهم الجامحة في مخالفة اليهود في صيام عاشوراء، وإلا لا يعقل أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان هو الوحيد الذي لم يكن يعرف أن اليهود يصومون يوم عاشواء، وبقية الصحابة يعرفون ذلك.
وبهذا يزول الإشكال بين الحديثين إن شاء الله، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان.

Thursday, November 7, 2013

خاطرة قرآنية (3) (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا)



من فضلكم إذا أسند إليكم مهمة لتوفر شروطها الأساسية فيكم فلا تبخلوا على أنفسكم وعلى أصدقائكم الذين يتوفر فيهم بعض الشروط التكميلية والتي لا تتوفر فيكم أن تستشيروهم وتطلبوا مساعدتهم ومصاحبتهم وانضمامهم، فموسى عليه الصلاة والسلام توفر فيه الشروط الأساسية والمتطلبات الضرورية للرسالة والنبوة والذهاب إلى فرعون، ولكنه لاحظ أن بعض الشروط التكميلية غير متوفرة فيه فسأل الله صحبة أخيه هارون (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردئا يصدقني، إني أخاف أن يكذبون) فطلب انضمام أخيه لأنه أفصح منه لسانا.
ومن هنا نعرف أن توفر الشروط الضرورية في الشخص لا يدل على توفر جميع الشروط التكميلية فيه، وهذا ما يدعونا إلى مراعات التكامل وتعزيز روح الفريق.
لعلك تلاحظ معي أن موسى عليه الصلاة والسلام قد سلم هنا من خطأين استراتيجيين كبيرين يصاب بهما كثير من القيادات والرموز والشخصيات ومدراء الشركات والجامعات والمدارس والمعاهد في أفريقيا والدول العربية:
الخطأ الأول: اعتقادهم أن المهمة أسندت إليهم لتوفر جميع المتطلبات اللازمة فيهم، فيخيل إليهم توافرهم على الشروط الضرورية والتكميلية والتبعية، مع أنه ليس بالضرورة أن يكون الأمر كذلك، وبالتالي هذا يقودهم إلى عدم الإستعانة بالآخرين والإستفادة من الآراء وتفويض بعض المهامات وأمور أخرى كثيرة. وهذا خطأ استراتيجي سلم منه موسى عليه الصلاة والسلام.
الخطأ الثاني: عندما يخيل إليهم توفر جميع نوعيات الشروط فيهم، تجدهم يعتقدون باطلا أن شخصهم وشخصيتهم أهم من المهمة نفسها، وهذا يزرع في نفوسهم الغطرسة والتبختر والعنجهية، فيرى كل شيئ في ذاته، ويرى أن اسمه أصبح أهم شيئ في الشركة أو المؤسسة أو غيرها، فتجده ليس فقط لا يستشير أصحابه وأصدقاءه وشركاءه وإنما يحاول إيصال رسالة مؤلمة إليهم بأنه هو الشركة، والشركة هو، وأنه عظيمهم وكبيرهم الذي لا يعصى له أمر. ومن هنا تسقط الرسالة والمهمة التي اسندت إليهم وتنهدم المؤسسة خاوية على عروشها. أما موسى عليه السلام قد عرف أن المهمة أهم من شخصه هو ولذلك عمل على إيجاد كل ما يكون في صالح الوظيفة حتى وإن كان ذلك يتطلب توجيه الكاميرا وتسليط الأضواء على شخص آخر غيره.
فمتى يفهم مديرو الأفارقة والعرب وقياداتهم ورموزهم أن تعيينهم أو انتخابهم لا يدل على توفر جميع المتطلبات التكميلية فيهم؟ فإذا كان موسى عليه الصلاة والسلام الذي اختير من قبل رب العالمين لم يعتقد أن جيمع المتطلبات التكميلية متوفرة فيه، فكيف يظن من اختير من قبل البشر أن جميع المتطلبات التكميلية متوفرة فيه؟!!!

Monday, November 4, 2013

بين خصخصة الكسوف وعولمة هلال رمضان


خطر ببالي - وأنا أقرأ منشورات زميلي أبي جميلة سليمان ينغادو وفارس أفريقيا محمد الأمين سوادغو عن الكسوف الحادث في غرب أفريقيا قبل يوم- عدم تقاتلنا على عولمة الكسوف والخسوف كما تقاتلنا فقهيا على عولمة دخول شهر رمضان وخروجه!!! وقلت أليست هذه كلها متعلقة بالفلكين (القمر والشمس) ورؤيتهما؟ فلماذا احتدم النقاش في الثاني دون الأول؟
وقبل أن أذهب بعيدا دعوني أوضح نقاطي أكثر، فأقول: لقد ثار جدل كبير –كما لا يخفى على شريف علمكم- حول ما إذا رئي الهلال في جزر القمر أو في مالاوي أو جامايكا هل يجب على مسلمي الأرض صيام رمضان وإفطاره؟ والذين قالوا بأن رؤية المسلمين في قطر تعتبر رؤية لجميع المسلمين في جميع الأقطار استدلوا في ذلك بحديث البخاري (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته....) وقالوا بأن الخطاب هنا للمسلمين جميعا، فإذا رآه بعضهم حقيقة وحسا فقد رآه كلهم معنا واعتبارا.
فالسؤال الذي يطرحه خاطري على سادة هذا القول هو: لماذا لم تقولوا بنفس القول في الكسوف والخسوف؟ لماذا لم تقولوا بأن خسوف دكار وسريلنكا وألبانيا يعتبر خسوفا للمسلمين كلهم؟ ألم يستخدم النبي (صلى الله عليه وسلم) نفس الأسلوب الخطابي هنا تماما مثل ما استخدمه في قضية رؤية هلال شهر رمضان؟ ألم يقل النبي (صلى الله عليه وسلم) كما في البخاري أيضا (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم فصلوا وادعو الله) لاحظوا يا السادة نفس لفظ (الرؤية) في كلا الحديثين، ونفس أسلوب الخطاب الجمعي (صوموا) جمع مذكر بصيغة الطلب، (فصلوا وادعوا) جمع مذكر بصيغة الطلب أيضا، إذا فما الذي اختلف هنا يا السادة؟!!!
طبعا سأحاول أن أجد لكم بعض المخارج:
المخرج الأول: أنكم أعجبتكم عولمة الفرح والسرور كما أعجبتكم خصخصة الخوف والذهول، أقصد أن دخول رمضان يمثل إيذانا بموسم الخيرات والبركات والطاعات وغفران الذنوب والعتق من النيران، وخروجه يمثل فرحا وسرورا وبهجة وجمالا، أما كسوف الشمس أو خسوف القمر فإنه يمثل الخوف والذهول، ولذلك مرة خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) كما في البخاري أيضا يجر إزاره إلى صلاة الكسوف. مما يدل على أن الأمر يتطلب السرعة والمبادرة واستدعاء الرأي العام والذهنية الجمعوية لتدارك الموقف واحتواؤه بذكر الله والصلاة والدعاء. وفي قوله  (فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلّوا )  ينبئ بأن الحادثة تحتاج إلى توبة وإرضاء الله وذكره كثيرا حتى يذهب الوضع وينصرف.
أقول: إنه وبالنظر إلى هذه الزاوية فأنتم تريدون أن يشترك المسلمون في الفرح والسرور جميعا ويستشعروا كلهم فرحة اليوم وغبطته، ويكون شعارا لوحدتهم وتلاقحهم. أما مناسبة الحزن والخوف فأردتم تحجيره وتضييق دائرته فلم يكن بودكم أن تعولموه وتكوكبوه.
المخرج الثاني: أنكم اعتبرتم عامل الوقت والزمن، وذلك أنه ولقصر عمر الكسوف والخسوف الذي قد لا يأخذ أحيانا أكثر من نصف ساعة أو ساعة أو أقل أو أكثر فإن الأمر يصعب تصديره وإعطاءه الطابع العالمي، فالأخبار مهما كانت متسارعة في يومنا هذا، ومع وجود الشبكة العنكبوتية والأقمار الصناعية فإنه يصعب رصد بداية الكسوف الحادث في القاهرة مثلا ووقت انجلاءه هناك من أهل الرياض وباريس وغيرها، فلو قلنا بعولمة الكسوف أو الخسوف لانكشف القمر دون أن يعرفه الآخرون في الأقطار الأخرى فيستمروا في الصلاة والدعاء مع أن الأمر قد انجلى في موقع الحدث، أما هلال شهر رمضان وخروجه فإنه يعتبر حادثا متعلقا بشهر كامل وبعبادة كاملة وبأمور جوهرية تأخذ حيزا كبيرا من الإستعداد ونشر المعلومات وتبادل الأخبار والإهتمام من جميع الشرائح. فقد اعتبرتم عامل الوقت والزمن هنا.
وقد يقول قائل بأن علماء الفلك في هذه الأيام يحددون بالضبط متى يبدأ الخسوف ومتى ينتهي، فلا يوجد مشكلة في معرفة وقت الصلاة وانتهاؤها في أي قطر في العالم، فأقول بأن هذا فيه صعوبة التوقيت ومعرفة تقاطع المواقيت وحساب الفروقات بينها مع الأقطار الأخرى. إضافة إلى أن الحسابات الفلكية على رغم دقتها فليست قطعية.
المخرج الثالث: أنكم راعيتم مبدأ رفع الحرج عن الأمة. وبيان ذلك أن صيام رمضان وخروجه متعلق بخروج الليل ودخول النهار في جميع الأقطار، فبالإجماع أنه لا يجوز ابتداء الصيام في لحظة رؤية الهلال، وإنما يبدأ الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بمعنى آخر أن رمضان لا يشكل حرجا للناس إذا قلنا أن يصوموا معا، لأن العبرة بخروج الليل ودخول النهار في كل قطر من أقطار العالم، فلو رأينا القمر في غانا مثلا فإنهم قد يبدؤون الصوم بعد عشر ساعات مثلا، وآخرون يبدؤونه بعد ثلاث عشرة ساعة، فالشروع المباشر في عبادة الصيام أو خروج شهر رمضان ليس متعلقا بنفس اللحظة التي يرى فيها الهلال، وإنما بتوقيت آخر وهو طلوع الفجر. وبهذا فإن القول بوحدة الصيام والإفطار في العالم كله لا يشكل حرجا ما دام هناك فجوة من الوقت يستطيع كل واحد فيها أن يجهز نفسه للعبادة واستقبال الشهر.
أما بالنسبة للكسوف والخسوف فإن الأمر متعلق بنفس لحظة الكسوف والخسوف، بمعنى أنه عندما يبدأ الخسوف في زيمبابوي بتمام الساعة العاشرة ليلا، فإن على مسلمي غواتيمالا أن يبدؤوا الصلاة في نفس اللحظة وإلا لفاتهم الوقت، فلو صلوا بعد خسوف زيمبابوي فإنه لا يعتبر صلاة خسوف، ولا يجوز لهم الإدعاء بأنهم يحاسبون فارق التوقيت بين البلدين. وعلى هذا يقع الحرج والمشقة عليهم، فوجب التفريق بين ما يجب في اللحظة وما يجب بعد فترات متفاوتة على حسب البلدان.

المخرج الرابع: لعلكم استحضرتم العالمية الذاتية في هلال رمضان والخصخصة الذاتية في الكسوف، بمعنى أنكم اعتبرتم أن الهلال يطلع في كل مطلع من مطالع القمر، وفي كل قطر من أقطار العالم وإن تفاوت وقت ظهوره ورؤيته في الساعات والأيام لكنه سيواصل طلوعه في الأقطار المختلفة تباعا وبالضرورة، أما الكسوف فليس له طابع عالمي ذاتي، بمعنى أن الكسوف قد يقع اليوم في غينيا وليس بالضرورة أن يقع بعد ذلك بساعات في ليبيا، وبعده بيوم في تركيا ثم بعده في الصين. فهو يأتي لقطر معين في فترة معينة ثم يغيب وينتهي. وما ليس له طابع عالمي في ذاته فليس جديرا أن يعطى طابعا عالميا في استقباله والترحيب به.
لا أدري هل تشفع لكم هذه المخارج يا السادة، فإن شفعت فالحمد لله، وإلا فإنه جهد المقل من تلميذكم  الذي لم يسره أن يراكم في موقف حرج كهذا!!!


Wednesday, October 23, 2013

خاطرة حديثية ( النبي يغطي فخذه من عثمان)


كنت جالسا في غرفتي، لابسا إلى ما فوق الركبتين، فخطر ببالي ماذا سيحدث لو أن أحد أصدقائي الذين يكنون لي احتراما كبيرا ولج علي ورآني في هذا المنظر؟!! وبينما كان فكري يجول ويتفكر في تحليل هذه القضية، تذكرت حديث البخاري عن أبي موسى وحديث مسلم عن عائشة رضي الله عن الجميع أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دخل عليه أبوبكر وعمر فلم يغط فخذه ودخل عثمان فغطى فخذه. حديث أبي موسى حدث في حائط العشرة المبشرين بالجنة، وحديث عائشة كان في بيتها.
فخطر لي منه هذه الخواطر:
أولها: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يتصرف مع أصحابه بشكل حقيقي طبعي، بعيدا عن الرمزية والإستعلائية والتفوقية، نعم هو أفضل البشر وأعظم مخلوق وأشرف من نفخ فيه الروح، ولكنه لم يكن يتصرف  خارجا عن فضاء مجتمعه ولا خارقا لناموس ثقافته، بل إنه كان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويرى فخذه من قبل أصحابه، فلا يؤثر ذلك فيه شيئا، فقس على هذا لو دخلنا على مفت أو عالم أو داعية أو شيخ ورأينا فخذه بهذه الصورة كيف سنمقت عليه ونبخس من قدره، ونحط من قيمته.
ثانيها: أن المثير هنا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يغط فخذه بدواعي الإحتفاظ  على مكانته الإجتماعية أو شخصيته الدينية، وإنما فعل ذلك لشخصية عثمان، وبعبار أخرى، إنما كان سبب تغطيته لفخذه لشيئ موجود في عثمان وليس لشيئ موجود فيه هو (صلى الله عليه وسلم) وبيانه أنه لو كان لشيئ موجود فيه هو لغطى فخذه عن كل أحد بمن فيه أبو بكر وعمر، ولكن غطاه لما دخل عثمان فدل على أن السبب موجود في شخصية عثمان. وهو أنه (حيي) وهذا يدل على أن تصرفاتنا لا يجب أن تكون دائما حسب رغباتنا وإنما حسب رغبات شركائنا وأصدقائنا أحيانا.
ثالثها: استفدت من هذا الحديث أن أصدقائي قد يعاملونني أحيانا بمعاملة أدنى من معاملتهم لغيري، وهذا لا يدل على انخفاض مستوى احترامي في مخيلتهم وهواجسهم النفسية والعقلية، وإنما لأن ذلك الشخص يستحق ذلك التصرف الخاص في ذلك الوقت الخاص. فأبوبكر وعمر رضي الله عن الجميع أحب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) من عثمان رضي الله عنه وأكبر سنا منه، ومع ذلك فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يغط فخذه لهما.
رابعها: أن الحيي يستحيا منه أكثر من غيره، فعثمان لما كان حييا ازداد حياء الناس منه والملائكة، فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) جوابا لعائشة كما في صحيح مسلم لما سألته لماذا غطى فخذه أو ساقه عندما دخل عثمان، قال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة" إذا هذا يدل على أن هناك قابلية للأخلاق، فحينما تكون لئيما يعاملك من يقابلك بازدرائية سخيفة، وعندما تكون كريما تتلقى المكارم، وعندما تكون شخصية محترمة لا شك أن الناس سيحترمونك أكثر، وعندما تكون شخصية متخوفة رذيلة لا تعرف طاعة لله فإن الشياطين يساعدونك على ذلك (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) فأخلاقنا لها قابلية للرسائل التي نتلقاها. وهذا يتقاطع مع نظرية مالك بن نبي (القابلية للإستعمار)
خامسها: أن الرؤية الإجتماعية التي قد يمثلها كشف الفخذ في مجتمعنا الحاضر ليس بعيدا عن تلك الرؤية السائدة في المجتمع المحمدي، فتغطية النبي لفخذه من عثمان دليل على أنه كان يعتبر شكلا من أشكال الحياء المحمود في تلك المجتمعات وإلا لما غطاه (صلى الله عليه وسلم)، والذي تغير فقط هو أن حجم التحفظ على كشف الفخذ تضاعف في المجتمعات الإسلامية الحديثة، طبعا لقد جاء في أحاديث عديدة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر عدة صحابة في مواقف متعددة بتغطية فخذهم مما يدل على أن الأمر كان شبه منتشر بينهم، إلا أن أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) لهؤلاء الصحابة قد يكون محاولة المحافظة على درجة من الحياء المثالي في المجتمع حتى لا يتحول المجتمع كله إلى كاشفي الفخذ، وكأنه (صلى الله عليه وسلم) وبكشفه لفخذه أحيانا يقول لهم أن الكشف أحيانا وخاصة في البيت كما حدث عند عائشة أو في الحائط كما عند أبي موسى أو كما حدث في خيبر عندما حسر عن فخذه وذلك في ظرف حربي مثلا،  أن مثل هذه الظروف والأحوال تضيق دائرة الكشف إلا أنه يبقيه جائزا، فلا يكون كشفه حراما ولا عدم كشفه سنة وإنما قد يكون من نمط ما سماه البخاري عندما روى حديث أبي موسى ب (الأسند) وحديث جرهد الذي جاء فيه الأمر بستر العورة ب (الأحوط) يعني نأخذ احتياطنا، ولكن لا يصل الأمر إلى أن نحط من كرامة الشخص الكاشف، أو الإحاطة بمكانته الإجتماعية.

سادسها: ليس قصدي هنا إعلان العصيان والتمرد على الأنماط والقيم والأخلاقيات الإجتماعية السائدة في بعض المجتمعات الشرق الأوسطية أو بعض المجتمعات الأفريقية المتحفظة، وإنما أحاول لفت الأنظار إلى مراعات بعض المواقف والبيئات والظروف التي قد تغيب عن عقلياتنا الفقهية والثقافية الإجتماعية السائدة، قد تكون هذه الأشياء ملاحظا أكثر في بعض المجتمعات الغربية أو غيرها عندما يكون كشف العورة لا يشكل الإستدعاء إلى المحاكم الإجتماعية، أو عندما ترتفع درجة الحرارة في بعض المناطق إلى مستوى قياسي، فيحتاج الواحد إلى استنشاق الهواء الطلق، والإستمتاع بالرياح الجميلة، أو قد يرغب بعض الأشخاص في المشاركة في بعض المسابح أو لعب بعض الرياضات فيرغب شخصيا في لبس ما هو فوق الركبتين، ففي مثل هذه المواقف يجب أن لا ننسف كرامته أو نشوه سمعته، ففخذ أكبر رجل في التاريخ وأعظم مخلوق عند الخالق قد رئي في مناسبات عديدة ولم يؤثر ذلك على شخصيته بشيئ فهل يمكن أن نكون مجتمعا متحضرا كمجتمع الصحابة؟!! نسامح رموزنا بأن يستمتعوا بالحياة والرفاهية والمرح والسرور، حتى نتحرر من النمطية المفرطة والرمزية المكلفة لهم ولنا جميعا.

Thursday, October 17, 2013

خواطر قرآنية (2)


آية واحدة اجتمعت فيها ثلاثة تحديات، قال تعالى " إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا "

التحدي الأول: أنه عز وجل هو الوحيد الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ولا يوجد كائن آخر قادر على ذلك. ولذلك لم نر دولة لا من قبل ولا من بعد تدعي أنها تمسك السماء والأرض، ولن يحصل هذا، مهما تعاظمت الطغيان العلمي المادي.

التحدي الثاني: أنه لو زالتا لم يمسكهما أحد إلا الله، لا أمريكا ولا أوروبا ولا  قوى عالمية أخرى، نعم هذه الأشياء ليست مثل الأقمار الصناعية ولا طائرات بوينغ الأمريكية ولا ايربيس الأوروبية بل هذه صناعة الله وهذه معجزات الباري للأكوان.

التحدي الثالث: يتمثل هذا في قوله (إنه كان حليما غفورا) هل هناك قوة تصبر على عصيانه والإعتداء عليه وهي تملك مثل هذه السلطة والسلاح ويستطيع يسقطه علي أعدائه ثم يحلم عليهم بل قد يعفو عنهم؟؟؟؟ إن الله يتحدى العالم كله هنا بأنه لا أحد يستطيع أن يحلم مثله ويعفو مثله.  فهو الوحيد الذي يملك القوة ويحلم على أعدائه بل قد يعفو عنهم، أما أمريكا فحينما امتلكت قوة الأسلحة النووية أسقطتها على اليابان، وعندما امتلك هتلر الأسحلة الكيماوية أحرق بها أعداءه، وعندما امتلكها البشار قتل بها شعبه، وعندما  تشتري بعض الحكومات الأفريقية الأسحلة الغربية القديمة التي أكل عليها الدنيا وشرب فهي لا ترى لها مكانا للتجربة إلا ضد شعوبها العزل التي هي تعتبره ألد أعدائها، واليوم  لو لم تكن الأسلحة النووية ممتلكة بين عدة دول لرأينا الدولة الوحيدة التي تملكها تضرب بها أعداؤها وإن جاءت على سكان الأرض قاطبة.

نعم إنه  عز وجل يمسك السموات والأرض أن تزولا.............. نعم لا يوجد من يمسكهما لو زالتا  إلا الله عز وجل.................. نعم إنه هو الحليم الغفور ومستحيل أن يجاريه غيره فيهما.

Monday, October 14, 2013

فقه دعاء يوم عرفة

توقفت عند قول النبي (صلى الله عليه وسلم) " أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيئ قدير" حسنه الألباني.
فعندما نلاحظ نجد أن هذا القول الذي قاله النبي والنبيون قبله هو ذكر في حقيقته وليس بدعاء مسألة، إذا فلماذا لم يكن أفضل دعاء قاله النبي والنبيون قبله هو دعاء مسألة، يعني لم يأت على صيغة طلب مثل "اللهم ادخلني الجنة، اللهم انصرني ، اللهم افعل لي كذا وكذا"؟؟؟
الظاهر أن الأدعية الكبرى كلها أو المواقف الصعبة أو المناسبات المهمة تأتي أكثرها على صيغة الثناء على الله وليس الطلب منه، وحتى إن تضمنت الطلب فإنها تكون مصحوبة بصيغة الإنكسار وإظهار العجز أمام الله عز وجل، فمثلا لما أكل آدم عليه السلام من الشجر قال: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" فهذا ليس طلب محض وإنما إظهار العجز والضعف أمام الخالق عز وجل.
ولما تعاطف نوح مع ابنه وأراد أن يركب معه في الفلك وعتبه الله على ذلك قال نوح عليه السلام : " رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإن لم تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين" هنا أيضا إظهار العجز والضعف.
ولما دخل يونس في الحوت، قال " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" هنا الثناء على الله وإظهار العجز والضعف.
ولما قيل للناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فقالوا : "حسبنا الله ونعم الوكيل" فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء. فاستعاذوا بقدرة الله وجبروته وأظهروا عجزهم وضعفهم.
فالدرس الذي نستفيده من قول النبي (صلى الله عليه وسلم) أن أفضل دعاء في يوم عرفة هو " لا إله إلا الله وحده لا شريك له.." هو أننا كلما أثنينا على الله بما هو أهله، وكلما أظهرنا عجزنا وضعفنا أمامه، وكلما كان لساننا رطبا بذكره وتعظيمه وإجلاله كلما كان ذلك أدعى لحصولنا على طلبنا وقضاء حوائجنا واستجابة دعواتنا منه عز وجل.
وقد جاء في الحديث : " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" والحديث فيه مقال.
وهذه القاعدة العامة التي ذكرتها قد يستثنى منها بعض المناسبات كدعاء ليلة القدر مثلا، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة أن تكثر من قول: " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" وهذا دعاء مسألة.

Saturday, October 12, 2013

هكذا يعالج القرآن العنصرية في الألوان


قال تعالى : " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها" هنا لم يميز البشر بين ألوان الثمرات سواء كانت سوداء أو حمراء أو خضراء، بل استفادوا منها جميعا وأحبوها جميعا وأكلوا منها وارتاحوا معها، ثم قال تعالى: " ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود" هنا أيضا لم يحدثوا تمييزا وعنصرية، بل البشر كلهم يعتقدون أن هذا من قدرة الله وعجائب صنعه ولم يفرقوا بين الجدد البيض والحمر والغرابيب السود بل احترموها واعجبوا بها ورأووا أنها من جماليات الطبيعة ومن بدائع الصنع،  ثم قال تعالى : " ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك..." هنا فقط حصلت المشكلة لهم، فقالوا: رضينا بأن الدواب والأنعام مختلف ألونه بقدرة الله وآياته وليس لأن هذا أفضل من ذاك أو هذه أفضل من تلك بل كلها دلالة على آيات الرب وعظمة الخالق، لكننا لا نرى أن الأسود والأحمر والأبيض من البشر سواء، فرأى البيض أنهم أفضل البشر معتمدين في ذلك على دراسات أنثروبولوجية وسيكلوجية واهية لا ترقى إلى مستوى العلم، ورأى الحمر أنهم أفضل استنادا على أحاديث ضعيفة واستدلالات لامنطقية والتي لا يمكن معارضتها بالأحاديث الصريحة الصحيحة الواضحة، ورأى السود أنهم أفضل فاستماتوا لإقامة أدلة على ذلك بينة عوارها لأنفسهم قبل غيرهم.
وأقول: ماذا يضير هؤلاء جميعا لو رجعوا إلى قول الحبيب الصحيح الصريح :  "يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى" وما ذا يضيرهم لو رأووا البشر المختلفين في الألوان سواسي كما يرون الثمرات والجبال الجدد والغرابيب والدواب والأنعام المختلفين في الألوان سواسي؟!!!  بل ماذا يضيرهم أن يرجعوا إلى محكمات القرآن ويرتضووا حكم الله فيهم " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم..."